إسقاط الحاكم أمر عظيم (رؤية فقهية)

 

الكاتب: أ/ أحمد حسنين

إن ما يحدث اليوم في الدول الإسلامية من ثورات على أنظمتها، مطالبة بإسقاط النظم الفاسدة، وسقط بعضها بالفعل في تونس ومصر؛ يوجب علينا بيان الحكم الشرعي في هذه الثورات، وموقف الإسلام من الحاكم المنحرف، وما الانحراف؟ ومتى يحرم الخروج عليه؟ ومتى يجب إسقاطه؟ وما شروط الخروج؟.. وغير ذلك من الأسئلة التي تحتاج إلى جواب حتى يكون أبناء أمتنا على وعي وفقه، فلا يستجاب لكل من ينادي بإسقاط الحاكم إن صدر منه أي انحراف، وكأنه يريد حاكمًا معصومًا، وكذلك لا يستجاب لمن يمنع سقوطه وإن كان كفرًا بواحًا بل الوعي بالسياسة الشرعية بلا إفراط، ولا تفريط، وليعلم أن الخروج على النظام بالسلاح ليس بالأمر الهين لما تراق فيه من دماء، ولما قد يؤدي إلى الإتيان على البنيان من القواعد فينقض على مَن فيه، وهذه قد تكون فتنةً، وكذلك فالسكوت على نظام فاسد غير شرعي ليس بالأمر الهين، وهو يحاد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وهو لا ريب فتنة أكبر من القتل؛ ومن ثم نحتاج إلى علم ووعي بالمسألة حتى لا نفسد، ونحن نبتغي الإصلاح، ونهدم ونحن نريد البناء قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)﴾ (البقرة)، وقوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)﴾ (الكهف)، ولنتناول هذا الموضوع في النقاط التالية:

أولاً: مكانة الحاكم (ولي الأمر) في الإسلام:

هو صاحب الولاية العليا، فلا والي فوقه، وطاعته واجبة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: من الآية 59)، وفي الحديث: “من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني”، والطاعة فيما يحب ويكره كما في حديث عباده “بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا”.. ومن خلع يدًا من طاعة بلا برهان وقع في وعيده صلى الله عليه وسلم “من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له”، والطاعة لولي الأمر ليست موجهة لذاته، وإنما لكونه مقيمًا للدين ومصلحة الناس، فإن أمر بمعصية، أو خرج عن مسئوليته، وكان فاسدًا فلا طاعة له، لقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (152)﴾ (الشعراء)، وقوله صلى الله عليه وسلم “إنما الطاعة في المعروف”.

ثانيًا: مكانة الحاكم في المجتمع المسلم:

والحاكم المسلم مقيد بقيدين الشريعة والشورى: أي بحكم الله، ثم رأي الأمة، وهو مسئول أمام الله وأمام الناس، أما مسئوليته أمام الله فقوله صلى الله عليه وسلم “إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة؛ إلا من أخذها بحقها، وأدَّى الذي عليه فيها”، وقوله: “والإمام راعٍ ومسئول عن رعيته”، وهو مسئول أمام أمته والناس الذين ائتمنوه على أنفسهم وأموالهم ودينهم، واختاروه لإدارة أمورهم، ثم بايعوه مقابل تعهده بالعدل وتنفيذ أحكام الشريعة؛ فالأمة قوامة على الحاكم.

ويقول الإمام البنا (فالحاكم مسئول بين يدي الله وبين الناس وهو أجير لهم وعامل لديهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته”. وقال: فأما عن مسئولية الحاكم فإن الأصل فيها في النظام الإسلامي أن المسئول فيها هو رئيس الدولة كائنًا من كان له أن يتصرف، وعليه أن يقدم حساب تصرف الأمة، فإن أحسن أعانته وإن أساء قومته.

ثالثًا: انحراف الحاكم بمَ يكون؟

يكون بالتخلي عن التزام الإسلام، سواء في سلوكه الشخصي، أو في سياسته الداخلية، أو الخارجية التي يرعى شئون الأمة على أساسها، وإليك عدة نصوص شرعية تذكر بعض الانحرافات للحاكم:


* ارتكاب المعاصي قال صلى الله عليه وسلم: “خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم”، قالوا قلنا: يا رسول الله! أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: “لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة، إلا من وُلي عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدًا من طاعة” (رواه مسلم).

* أمر الرعية بالمعصية: قال صلى الله عليه وسلم “السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وأكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة” (متفق عليه).

* ارتكاب المنكرات: ومنه الاستئثار بالحظوظ الدنيوية، وهذا الاستئثار يشمل الأموال والوظائف والمناصب والمميزات، يحتكرها لنفسه، ولذوي قرباه وجماعته دون بقية أفراد الأمة.

قال صلى الله عليه وسلم: “إنها ستكون أثرة وأمور تنكرونها”، قالوا: فما يصنع من أدرك ذلك يا رسول الله؟ قال: “أدوا الحق الذي عليكم، واسألوا الله الذي لكم” (متفق عليه).

* إيذاء أفراد الأمة: بالضرب والتعذيب ومصادرة الأموال، وفي الحديث “يكون أمراء يعذبون ويعذبهم الله” (رواه الحاكم).

وإلا موقف الأمة من الحاكم الذي يقع في تلك الانحرافات المذكورة، فنتعرف على أقوال الفقهاء، ولهم رأيان:

الأول: وجوب الصبر على ظلم الحاكم، وهو رأي جمهور أهل السنة، واحتجوا:

1- قوله صلى الله عليه وسلم “لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض”.

2- قوله صلى الله عليه وسلم: “من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر, فإنه من فارق الجماعة قيد شبر مات ميتة جاهلية”.

3- قوله صلى الله عليه وسلم: “إنها ستكون أثرة وأمور تنكرونها” قالوا: فما يصنع من أدرك ذلك يا رسول الله؟ قال: “أدوا الحق الذي عليكم، واسألوا الله الذي لكم”.

4- حديث عبادة “بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفر بواحًا عندكم من الله فيه برهان”.

5- قوله صلى الله عليه وسلم: “من حمل علينا السلاح فليس منا”.. (رواها جميعًا البخاري).

قال النووي: (أما الخروج عليهم- أي الحكام- فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته, وقال جماهير أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه).

الثاني: أهل السيف: وهو قول ابن حزم والمعتزلة والخوارج وبعض أهل السنة واحتجوا:

1- قوله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: من الآية 2).

2- وقوله صلى الله عليه وسلم: “من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده” (رواه مسلم).

3- وقوله صلى الله عليه وسلم: “من قتل دون ماله فهو شهيد, والمقتول دون دينه فهو شهيد, والمقتول دون مظلمة شهيد” (رواه مسلم).

4- وقوله صلى الله عليه وسلم: “أفضل الجهاد كلمة الحق عند سلطان جائر” (رواه أبو داود).

مذهب وسط:

يقول د. علي جريشة: وبين القول بوجوب الخروج، والقول بوجوب الصبر رأى البعض جواز الخروج دون أن يرتفع إلى مستوى الوجوب، ولا أن يهبط به إلى مستوى التحريم، وهم في ذلك مستندون إلى مسلك بعض الصحابة الذين لم يشاركوا في الخروج، وفي الوقت نفسه لم ينكروا على الخارجين، ثم قال: نحو نظرية محكمة للخروج.

يعيب النظرية التقليدية عدم التحديد، إذ لا تبين لنا موقفنا إزاء نظام يقيم الشرعية في أسسها؛ لكنه تقع منه بعض الأخطاء، كما لا تبين لنا موقفنا إزاء نظام يرفض الشرعية تمامًا، وهل يكون فيه الاختلاف السابق بين الصبر والسيف؟ ولا تحاول التوفيق بينهما، وهو يمكن على النحو التالي:

أولاً: إزاء نظام شرعي:

وهو يقوم على أسس الشرعية الثلاثة إقامة شرع الله, دولة مسلمة, أمة مسلمة، هو نظام يحرم الخروج عليه، ويعد الخروج عليه خيانةً عظمى، عقوبتها حد الحرابة، وهو ما ناقشه الفقهاء تحت جريمة البغي، أو حد الحرابة، وإزاء النظام الشرعي فإن المسلمين جميعًا مدعوون إلى طاعة النظام ونصرته وافتدائه بكل عزيز.

ثانيًا: إزاء نظام غير شرعي:

فإنه على قدر خروجه على الشرعية الإسلامية يكون التقويم، ويتدرج ابتداء من إنكار القلب إلى إسقاط حقوق الحاكم، ثم إسقاطه، كما سيأتي بيانه، والخروج على نظام غير شرعي ليس بغيًا، وإن لم تتوفر فيه شروط الخروج؛ لأن البغي كما عرفه الفقهاء (هو الخروج عن إمام حق بغير حق)، وأما الخروج في مثل هذه الحالة هو بحق على إمام غير حق.

ثالثًا: الاعتراف (بالغلبة) اعتراف ضرورة:

تقوم السلطة الشرعية في الإسلام على ركنين شرع الله والرضا، ولقد قامت في تاريخ الإسلام سلطات (متغلبة) على غير رضا من المسلمين، ورغم تخلف الرضا كأساس ثانٍ لشرعية السلطة، فلقد اعترف بها الفقهاء وتعاملوا معها، واعترافهم هذا اعتراف ضروري تمامًا لدفع ضرر أكبر بضرر أصغر، ولذا أجازوا الخروج على هذا الوضع المتغلب إذا توفرت الشروط، ومن ثم فلا حجة تستمد من سبق قيام هذه الأنظمة المتغلبة، ولا من بقائها.

رابعًا: شروط الخروج:

1- الكفر البواح: ويتحقق بإحدى الصور الآتية:

* تطبيق غير الشرع الإسلامي لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ (44)﴾ (المائدة).

* تطبيق بعض أحكام الشرع، وتبني غير أحكام الشرع في مجالات أخرى، لقوله تعالى ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49)﴾ (المائدة).

* موالاة الحاكم المسلم للدول الكافرة في الاعتداء على المسلمين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ﴾ (الممتحنة: من الآية 1).

وقيل: ولعل الصحيح هو التفرقة بين مخالفة الشرعية، وبين إهدارها، والأخذ بأحاديث الطاعة عند مجرد مخالفة الشرعية، وإعمال القوة في حالة إهدار الشرعية، والوصول إلى درجة الكفر البواح.

* ترك الحاكم للصلاة والصوم: لما جاء في الحديث “ألا نقاتلهم يا رسول الله قال: “لا، دعوهم ما صاموا وصلوا”.

* عموم المعصية البواح: أي المعصية السافرة الظاهرة التي تجري بين الناس مستعلنة لا تقابل بتغيير ولا نكير، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث منازعة ولي الأمر “وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تكون معصية الله بواحًا”، وهي إحدى روايات الحديث كما في فتح الباري.

* يأمر بإثم بواح: كما في رواية “ما لم يأمرك بإثم بواح”.

2- أن يتحقق الإمكان والقدرة.

3- استنفاد طرق التغيير التي سيأتي بيانها.

خامسًا: مراحل واجبة في إسقاط الحاكم:

1- إنكار القلب مع الاعتزال، وهو أول رد فعل للمنكر، وعمل القلب لا يعذر المسلم بتركه، فهو واجب عيني، سواء ملك المسلم قدرة دفع المنكر بيده، أو بلسانه، أو لم يملكها؛ لأن إنكار القلب لا يستلزم الاستطاعة، وإنكار قلب المسلم للمنكر يلازمه عمل الجوارح، وذلك باعتزال المنكر وأصحابه؛ لأن اعتزالهما ترجمة صادقة لإنكار القلب والشاهد على صدقه، ولقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرن بين إنكار القلب والاعتزال، حين قال “ولكن من رضي وتابع”.

2- إنكار اللسان: ومن صور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهاد الكلمة أو إنكار اللسان، ذلك أن ألسنة الخلق هي أقلام الحق؛ لأن كلمة الحق حين تجري على لسان المسلم فهي تعليه علو قائلها إلى قمة الشهداء، ذلك أن كلمة الحق جهاد، وهي عند سلطان جائر أفضل أنواع الجهاد، والسكوت على كلمة الحق إهدار ومشاركة للمعصية واستمرارها، وإنكار اللسان بكلمة مسموعة أو مقروءة أو مرئية هو المرحلة الثانية لإنكار المنكر، وهو واجب مقترن بالاستطاعة عند العامة، ومن ثم فهو واجب كفائي بالنسبة لهم، أما هو بالنسبة للخاصة- من أهل الاجتهاد والنظر من علماء المسلمين وأعلام الفكر الإسلامي والنخبة المثقفة في المجتمع- فهو واجب عيني، إذ لا يجب عليهم أن يسكتوا على منكر، وإلا ظن ذلك لدى العامة تسليمًا به منهم، فيتبعون سكوتهم هكذا سكوت الخاصة على المنكر بمثابة الشيطان الأخرس.

وإنكار اللسان له مراحله المتدرجة التي تبدأ بمرحلة التعريف بالمنكر بأداء رقيق لين، لعله يتذكر أو يخشى، ثم تليها مرحلة الوعظ والإرشاد بالرفق واللين أيضًا، ثم تليها مرحلة التعفف بالقول في حدود آداب الإسلام، وبحيث لا تتعدى ما ليس في المخاطب بها، ولا تكون قول فحش، فإن الإسلام لا يقر السباب أو اللعان.

3- إسقاط حقوق الحاكم أو الامتناع: إذا فشل إنكار القلب مع الاعتزال وإنكار اللسان كان لازمًا أن تأتي هذه المرحلة لإسقاط الحاكم في الطاعة والنصرة، ويتحقق ذلك عن طريق الامتناع عن تنفيذ الأمر أو الأوامر الصادرة عنه، تبعًا لقدر المعصية التي ارتكبها، والمنكر الذي أتاه، وهذا الامتناع واجب عيني بالنسبة لكل من توافرت فيه شروط القدرة على الامتناع، وإلا تحقق إثمه وحمل مع الحاكم وزره، ودليله قوله تعالى ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (270)﴾ (البقرة)، وقوله صلى الله عليه وسلم: “هل سمعتم أن سيكون أمراء من دخل عليهم، فلم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم؛ فهو مني وأنا منه، وسيرد على الحوض” (رواه أحمد والنسائي).

4- إسقاط الحاكم أو عزله: فإن لم تفلح الوسائل السابقة، وتتابع عصيان الحاكم، أو ارتكب مخالفة جسيمة، أو قارف خيانة عظمى؛ فليس بدٌّ من إسقاطه؛ لأن بقاءه يهدد النظام نفسه، والفرد مهما كان موقعه يضحي به من أجل نظام يقيم شرع الله في الأرض.

والقاعدة أن ممن يملك حق اختيار الحاكم هو الذي يملك حق عزله، فإن كان أهل الحل، والعقد قد فوضوا من الأمة في اختيار الحاكم، وكان لهم في ذلك (العقد)، فينبغي أن يكون لهم أيضًا (الحل)، وإن كان أهل العقد والحل قد قصروا دورهم على ترشيح الحاكم أو علقوا شرط نصبه وتوليته على إرادة الشعب، (فحلهم) يكون ببسط الأسباب والمبررات التي توجب عزل الحاكم على الشعب صاحب الإرادة النهائية في الحل.

ومرد ذلك أنه لا يسمح لنفر، أو قلة من المسلمين أو لطائفة منهم أن يعطوا لأنفسهم حق الخروج على الحاكم من دون الناس.

فإذا قرر أهل الحل والعقد- وهم أهل حكمة وعلم ورأي- إسقاط الحاكم فاقد الحق في الطاعة والنصرة، كانوا هم أهل الصدارة والإمارة فيه، والمسلمون جميعًا من خلفهم عليهم واجب طاعتهم والامتثال لأمرهم، ويكون ذلك بالمطالبة القانونية والوسائل السلمية، والسعي الجماهيري إلى عزله، فإن استجاب إلى إرادة الشعب، وإلا كان الخروج عليه بالسلاح.

5- الخروج على الحاكم بالسلاح: وقد تقدَّم أقوال الفقهاء فيه، وأنهم على قولين، وفي حالة الخروج بالسلاح فلا بد أن تتوفر شروط الخروج، وأن يوازن المجتهدون وأهل الحل والعقد بين الأضرار: أضرار الإخلال بالشرعية، وأضرار عزل الحاكم وما قد يترتب عليه، فإن رجحت الأولى أقدموا على العزل، وإن تساوت أقدموا كذلك باعتبار الشرعية غاية، والعزل وسيلة؛ لكن إن رجحت أضرار العزل امتنعوا عنه؛ حفاظًا على الغاية نفسها من أن تهددها الوسيلة، وتودي بها.

سادسًا: ما حدث في مصر من إسقاط الحاكم:

وقد خرج أهل مصر لإسقاط الحاكم الذي وجب عزله، لما اقترفه من فساد ونهب أموال وعدم إقامة شرع ربه، ورعاية مصالح شعبه، وقيادته لعصابة من المفسدين تحكموا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، وهذا الحاكم (مبارك) ونظامه الفاسد سقط بالدستور والشرع، وأعلن ذلك الجميع، وقد تمت معه مراحل التغيير في محاربة المنكر فلم يستحب، وزوَّر إرادة شعبه في الانتخابات الأخيرة، فخرج الشعب في ثورة شعبية سلمية، طلبوا رحيله وإسقاط نظامه، وصدق في الشعب قول النبي صلى الله عليه وسلم “أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”، فسقط مبارك ونظامه الفاسد بكلمة الحق في جميع المدن المصرية، ومن غير أن يستخدموا سلاحًا أو يعتدوا على ظالم، وبذلك لم نصل في إسقاط إلى خلاف الفقهاء في الخروج المسلم، بل كانت ثورة حق على حاكم ونظامه الفاسد بلا خلاف ولا دماء.

فالحمد لله القائل: ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾ (آل عمران).

Advertisements
هذا المنشور نشر في فقه الحاكم والمحكوم, مقالات المفاهيم العامة وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

One Response to إسقاط الحاكم أمر عظيم (رؤية فقهية)

  1. التنبيهات: ما بين الثورة و الفتنة – هل نتدبر ونفهم أم يأخذنا الحماس | نحو جيل صلاح الدين

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s