الدعوة إلى الله عزوجل وأصولها

** ملخص لمجموعة من الخطب بعنوان الدعوة إلى الله  للشيخ أسامة الرفاعي حفظه الله مع التوسع عبر كتاب أصول الدعوة للدكتور عبد الكريم زيدان

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة
نقصد بالدعوة، الدعوة إلى الله، قال تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني..﴾. والمقصود بالدعوة إلى الله الدعوة إلى دينه وهو الإسلام ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من ربه سبحانه وتعالى. فالإسلام هو موضوع الدعوة وحقيقتها، وهذا هو الأصل الأول للدعوة. وقد بلغ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هذا الإسلام العظيم أحسن تبليغ وأكمله وظل يدعو إلى الله منذ أن أكرمه الله بالرسالة إلى حين انتقاله إلى جوار ربه الكريم ولهذا أرسله الله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً. وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً﴾. فهو صلى الله عليه وسلم الداعي الأول إلى الإسلام. فالداعي إذن هو الأصل الثاني للدعوة.    والذين دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام وبلغهم رسالته هم العرب وغيرهم لأن رسالته عامة إلى جميع البشر غير مقصورة على العرب، قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً﴾. فالمدعو إلى الإسلام إذن هو الأصل الثالث للدعوة. وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الإسلام بالوسائل والأساليب والمناهج التي أوحى بها الله إليه والثابتة في القرآن والسنة النبوية الكريمة. وهذه الوسائل والأساليب وما يتصل بها هي الأصل الرابع للدعوة.
فأصول الدعوة إذن أربعة: موضوعها ألا وهو الإسلام، والداعي، والمدعو، والوسائل.

موضوع الدعوة: ما الإسلام؟ وما تعريفه؟
تعدّدت تعاريف الإسلام بتعدّد أوجهه المشرقة على البشريّة كآفّة، ، في جميع مجالات الحياة: الدينيّة والرّوحيّة والإنسانيّة والاجتماعيّة والعاطفيّة والماليّة والسياسيّة والتعليميّة والفكريّة والأخلاقيّة وغيرها وحتى البيئيّة، وأصل أيِّ تعريفٍ: قول نبيّ الإسلام  محمّدٌ صلى الله عليه وسلم ، حين سأله جبريل عليه السلام: فأخبرني عن الإسلام (في الحديث المشهور الذي يرويه عمر بن الخطاب) ، حيث أجابه: ”أن تشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلا“
والإسلام هو الخضوع والاستسلام والانقياد الاختياري لله رب العالمين دون إجبار وهو النظام العام والقانون الشامل لأمور الحياة ومناهج السلوك للانسان التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم من ربه وأمره بتبليغها إلى الناس، وما يترتب على اتباعها أو مخالفتها من ثواب أوعقاب وهو مجموع ما أنزله الله تعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من أحكام العقيدة والأخلاق والعبادات والمعاملات والاخبارات في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وقد أمره الله بتبليغها إلى الناس فالدعوة الى الله فرض عين على النبي محمد , قال تعالى :ياايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك و ان لم تفعل فما بلغت رسالته.

والإسلام هو الأجوبة الصحيحة الحقة لثلاثة اسئلة شغلت عقول البشر في القديم وفي الحديث، من أين جئنا؟ ولماذا جئنا؟ وإلى أين المصير؟
فأما من أين جئنا ففي النصوص تبيان أن الانسان لم يكن شيئاً فخلقه الله تعالى من تراب ثم جعل نسله من ماء مهين من (نطفة من مني يمنى)[القيامة: 37] أي من الماء الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب. أما لماذا جئنا فيقول الله تعالى  في القرآن الكريم: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾[الذاريات: 56] والعبادة تتضمن معرفة الله ومحبته والخضوع له واتباع مناهجه التي وضعها للانسان لتكميل نفسه ورفعها إلى المستوى اللائق بها والمستعدة له، ليظفر بالسعادة الحقيقية هنا وهناك في الدنيا والآخرة.   أما سؤال المصير فجوابه كما في نصوص القرآن أن الانسان بعد موته راجع إلى خالقه لمجازاته على أعماله في الدنيا، وادخاله الدار التي تلائمه، فان كان قد زكى نفسه بعبادة الله وصار من الطيبين فنزله في دار الطيبين – الجنة – وإن كان قد دنس نفسه ولوثها بأقذار المعصية وأبقى خبثها فنزله في دار الخبيثين – جهنم -.
وللإسلام أاركان لا يتسع المجال هنا للخوض فيها وقد نتناولها في مقال آخر

ومن أهم خصائص الاسلام أنه من عند الله فالله عزوجل هو مصدر الإسلام، ومشرع أحكامه ومناهجه، من خلال وحيه الى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم باللفظ والمعنى (القرآن الكريم) وبالمعنى دون اللفظ (السنة النبوية) والإسلام بهذه الخصيصة يختلف اختلافاً جوهرياً عن جميع الشرائع الوضعية لأن مصدرها الانسان، أما الإسلام فمصدره رب الانسان. ومن خصائص الإسلام ايضاً الشمول لكل نواحي الحياة والعموم فهو للبشر كافة ومن خصائص الإسلام ايضاً أن أحكام الإسلام، ليست نصائح وارشادات خالية من الثواب والعقاب. إنها ارشادات ونصائح حقاً ولكن لها ثواب حسن ينال الملتزم بها، ولها عقاب يصيب المخالف لها، على درجات متفاوتة في العقاب والثواب. كما أنه من خصائص الإسلام انه يحرص على ابلاغ الانسان أعلى مستوى ممكن من الكمال وهذه هي مثالية الإسلام. ولكنه لا يغفل عن طبيعة الانسان وواقعه وهذه هي واقعية الإسلام.

من هو الداعي
الدعوة إلى الله هي وظيفة رسل الله جميعاً، ومن أجلها بعثهم الله تعالى
والأمة المسلمة شريكة لرسولها في وظيفة الدعوة الى الله فالله تعالى أكرم هذه الأمة الإسلامية وشرفها أن أشركها مع رسوله الكريم في وظيفة الدعوة إليه في صريح الآيات الكثيرة في القرآن، قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} سورة آل عمران الآية: 110، فهذه الأية الكريمة افادت معنيين: الاول خيرية هذه الأمة، والثاني أنها حازت هذه الخيرية لقيامها بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي وظيفة رسول الله ورسل الله جميعاً، وأول ما يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الدعوة الى الله وحده والبراءة من الشرك بأنواعه، بل إن القرآن الكريم جعل من صفات المؤمنين الدعوة إلى الله
{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} سورة التوبة الآية: 71. قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: (فجعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين، فدل على أن أخص أوصاف المؤمنين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى الإسلام
يتضح بجلاء ان المكلف بالدعوة الى الله هو كل مسلم (ومسلمة) بالغ عاقل لأن الأمة الإسلامية تتكون منهم، فلا يختص العلماء، أو كما يسميهم البعض رجال الدين، بأصل هذا الواجب، لأنه واجب على الجميع، وإنما يختصون بتبليغ تفاصيله وأحكامه ومعانيه نظراً لسعة علمهم به ومعرفتهم بجزئياته.

وقد يتوهم البعض ان واجب الدعوة الى الله لا يلزمه، لأنه ليس من رجال الدين، وإن هذا الواجب واجب كفائي يجب على العلماء فقط مستدلين بالآية {ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} سورة آل عمران الآية: 104. والجواب على ذلك أن تفسير هذه الآية الكريمة،أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه فأتباع الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنون به، يدعون الى الله على بصيرة أي علم ويقين، كما كان رسولهم {قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} سورة يوسف الآية: 108. ومعنى ذلك أن من اللوازم الضرورية لإيمان المسلم أن يدعو الى الله، فاذا تخلف عن الدعوة دل تخلفه على وجود نقص أو خلل في ايمانه، يجب تداركه بالقيام بهذا الواجب، واجب الدعوة الى الله.
قال الامام ابن كثير في تفسير هذه الآية “يقول الله تعالى الى رسوله صلى الله عليه وسلم ان يخبر الناس أن هذه سبيله أي طريقته ومسلكه وسنته وهي الدعوة الى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه يدعو الى ما دعا اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي”

والدعوة إلى الله، قد تؤدى بصورة فردية، وقد تؤدى بصورة جماعية فقد يكون تجمع الدعاة للقيام بواجب الدعوة بصورة جماعية، يكون ضرورياً كلما كانت مهمة الدعوة جسيمة. فبعض الأقطار تحتاج الى جهود كبيرة جداً ومنظمة لنشر الدعوة الى الله وتعليمهم أمور الإسلام مما لا يقوى عليه جهد فرد ولا جهود مبعثرة لبعض الأفراد. يقول تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان} سورة المائدة الآية: 2، وهو دليل على مشروعية التجمع والدعوة الجماعية، بل ووجوبها إذا كان البر لا يمكن تحصيله بدون ذلك.

حاجة البشر إلى الدعاة
إن الدين الذي ارتضاه الله لنا هو زمام حياتنا , الدين دخل في دقائق حياتنا كلها فكل أمر للدين فيه رأي . إن أحكام الدين كلها تهدف لجلب المصالح و درئ المفاسد . فحينما تسوء أخلاق الناس و يمرح الشيطان بين الناس و تصبح الدنيا غابة القوي يأكل الضعيف هنا يأتي دور الدعاة إلى الله . الدعاة إذا وجدوا فقد وجدت العزة بعد الذل.
وصف الإمام احمد بن حنبل الإمام الشافعي فقال هو كالشمس للدنيا و كالعافية للبدن . لا غرض للداعية في الدنيا لا مال و لاجاه و لا منصب ولا سلطان بل مهمته توجيه قلوب الناس إلى الله من خلال فهم الدين وتوضيح الطريق إلى مرضاة الله. يجب امتلاك علم الدين و الدنيا معا من قبل الداعية إلى الله.

أصالة الدعوة
تعود أصول الدعوة إلى الله إلى زمن النبي آدم و كل الأنبياء من بعده إلى خاتم الرسل محمد عليه وعليهم الصلاة و السلام ومن ثم الصحابة الكرام و التابعين و السلف الصالح.
ما من نبي إلا و شهد و دعا بالإسلام فالأنبياء كلهم كوكبة واحدة تكمل بعضها البعض في الدعوة إلى الله و الإسلام  :فالنبي إبراهيم صبر في الدعوة إلى الله في بناء الكعبة الشريفة مع إبنه إسماعيل و صبر على إيذاء قومه وتكذيب أبيه له.
النبي  نوح: دعا قومه 950 سنة و لم يؤمن معه الا قليل .
النبي لوط: لم يؤمن من كل القرية إلا أسرته رغم كل الصبر في دعوة قومه الضالين.
النبي يوسف: دعا الى الله حتى وهو في السجن و صبر على إيذاء اخوته و إمرأة العزيز و الظلم الذي تعرض له.
النبي موسى: دعا بني إسرائيل و جاء لهم بكل الايات و لم يؤمنوا.
كل انبياء الله كذبوا و عذبوا و صبروا على الناس في دعوتهم الى الله إلى أن نصرهم الله و أعزهم.
حتى إن الكتب السماوية جميعا التوراة و الإنجيل و القران جاءت تدعو إلى الإسلام.
فدين الإسلام جاء ناسخا لشرائع الأديان الأخرى بينما الدين هو واحد لكل الأنبياء والأديان والدين عند الله الإسلام الذي هو التسليم للخالق والخضوع له، وتسليم العقل والقلب لعظمة الله وكماله ثم الانقياد له بالطاعة وتوحيده بالعبادة والبراءة من الشرك به سبحانه.

وجهة الدعوة – من هم المدعوون
دعوته عليه الصلاة والسلام عامة لكل البشر قال تعالى :وما ارسلناك الا كافة للناس بشيرا و نذيرا. فأمة الدعوة هي الناس جميعاً
يقول تعالى: كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر. وانطلاقا من ذلك فان الدعوة الى الله ·فرض على كل مسلم حتى و لو بتبليغ آية او حديث عن النبي ·فالمسلم مستهلك و منتج بان واحد. يقول تعالى: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين قال علي رضي الله عنه :لايُسأل الجهال لِمَ لَمْ يتعلموا حتى يُسأل العلماء لِمَ لَمْ يُعلموا.من ندعوا الى الله ·؟ و من لاندعوه؟
نحن مكلفون لدعوة كل شخص و إن كان عدو فهذا العدو هو عدو مؤقت ربما ينقلب الى صديق أو داعية، بينما العدو الأكبر والدائم هو الشيطان فهذا فقط لاندعوه حيث أمرنا الله بعدواته دائما و أبدا. ·فكلّ إنسانٍ عاقلٍ بالغٍ مقصودٌ بالدعوة وهو المدعو. فعندما أصادف أي شخص كافر أو عاص فإنني أحاول أن أدعوه قدر الاستطاعة وبحكمة ليعود إلى الله ويجب أن أشعر تجاهه بالشفقة و الرحمة لأنه دخل في أسر عدونا الشيطان لقوله تعالى :استحوذ عليهم الشيطان.
وعلى الداعي أن يفقه عموم دعوته إلى الله ويحرص على إيصالها لكلّ إنسانٍ يستطيع الوصول إليه وتبليغه دعوة الله، ابتداءً بنفسه والأقربين ثمّ الأبعدين.

و من حقّ كل مدعو أن يُؤتَى ويُدعى، وأن لا يُستهان به ولا يستصغر شأنه فقد يُرى على يديه الخير الكثير إذا ما دُعِي واستجاب للدعوة، واتبع طريق الهدى. فيأتيه الداعي اقتداءً بفعل رسول الله عليه الصلاة والسلام شفقةً بالناس وحرصاً منه على هدايتهم وتخليصهم من الكفر، لاحتمال عدم وصول خبر الدعوة إليهم أو أنّها وصلتهم بصورةٍ غير صحيحةٍ، أو صحيحةٍ ولكنّهم لم يستجيبوا لها بعد. ولا يخفى على الداعية أنّ البعيد عن الإسلام مريضٌ قلبه، ومرضى القلوب لا يعرفون مرضهم ولا يحسّون به فلا يشعرون بالحاجة إلى علاجه. كما أنّه من أعراض مرضهم إعراضهم عن الدعوة وعن صاحبها، فتعيّن على الداعي البحث عنهم والتوجّه إليهم. ويا حبّذا لو توزّع الدعاة على القرى والمدن وتفرّغ كلّ واحدٍ منهم لجهةٍ منها.

ومن واجبات المدعو أن يستجيب إذا ما دُعي إلى الله، لأنّه يُدعى إلى الخير والحقّ والفطرة التي جُبل عليها. والنّاسُ على درجاتٍ في سرعة الاستجابة إلى الحقّ وقبول الدعوة، فمنهم السريع جدّاً إلى البطيء جدّاً ومنهم بين هذا وذاك، ومنهم من لا يستجيب أبداً ويموت على كفره (والعياذ بالله).كما يجب على المدعو بعد أن هداه الله إلى الإسلام أن يقوم بحقّه ·ويلتزم بأوامر الله ونواهيه في جميع أمور حياته على النحو الذي بينّه في قرآنه وسنّة رسوله الكريم ···· . والقتال للمعتدي حتى يؤمن ولذلك قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ” أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله , فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ·(ولا يتسع المجال للتفصيل في فقه الجهاد)

أصناف المدعويين
ومادامت الدعوة إلى الله عامّةً لجميع الناس باختلاف طبائعهم وأحوالهم، كان من اللّازم تصنيفهم والاستعداد للتعامل مع طبيعة كلّ صنفٍ من اصنافهم على حدى، والمدعوون ينقسمون إلى
1- ·ملأ وهم سادة وأشراف المجتمع ومن لهم نفوذ فيه، وهم من يستحقّون (في عرف الناس) قيادة المجتمع والزعامة والرئاسة فيه، وقد يباشرون ذلك فعلاً. والوصف الغالب على الملأ من كلِّ قومٍ معاداتهم لدعوة الرّسل الكرام عليهم الصلاة والسلام إلى الله تعالى فكانوا هم الذين يتولّون كبر المقاومة الأثيمة للدعوة إلى الله ويقودون حملات التكذيب والإفتراء والتضليل ضد أنبياء الله تعالى. وقد أخبرنا الله بذلك يقول تعالى: ﴿ وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيءٌ يراد. ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلاّ اختلاقٌ ﴾ [ص:6-7] ، ومن أسباب عداوتهم للدعوة: الكبر وحبّ الجاه والرّياسة والجهالة وتقليد الآباء دون إعمال العقول

2- جمهور الناس وعامّتهم وهم أسرع استجابةً من غيرهم إلى الحقّ فهم أتباع رسل الله، يصدقونهم ويؤمنون بهم، و ذلك لأنّهم إما ضعفاء مضطهدون، يبحثون عن الحقّ والعدل فيجدونه فيما جاء به رسلهم أو/و خالون من موانع القبول الموجودة في (الملأ) كحب الرّياسة والتسلط، والأنفة من الانقياد للغير. ومع أنّ هؤلاء أكثر تهيّؤاً من غيرهم للاستجابة للحقّ، فإنّه لا يؤمن منهم إلاّ القليل وأغلبهم يتبع الملأ لجهلهم وخفّة عقولهم: ﴿ فاستخف قومه فأطاعوه إنّهم كانوا قوماً فاسقين ﴾ [الزخرف 54] أو بسبب مكائد الملأ لتضليل الجمهور ﴿ وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً ﴾[سبأ:33]، فمكر الملأ يكون بالتخويف،أو بالإغراء بالمال أو بالشبهات كرَميِ الرسل بالجنون والضلال والسفاهة، وزعمهم أن لا يكون الرسول بشراً، وإن كان فإنّهم أولى بالرسالة لما أوتوا من جاهٍ وسعة مالٍ، وأنّهم أحرص على حماية عقيدة الناس ومصالحهم فيقع التأثير في أكثر الجمهور لاجتماع الشبهات وغريزة حبّ الدنيا والمتعة فيها، والخوف من الأذى والحرمان.

3.المنافقون: فعندما تنتصر الدعوة إلى الله في مجتمع الكافرين، فيذهب سلطانهم وينتشر الإسلام لتعلو كلمة الله وتكون القوة والمنعة للمسلمين، عند ذاك يظهر المنافقون، الذين لم يؤمنوا مع المؤمنين ولم يبقوا على كفرهم ظاهرين خوفاً من سطوة المسلمين، فيبطنوا الكفر ويظهروا الإسلام جبناً وخوفاً. وذلكما أساس نفاقهم الكفر والجبن. والنفاق أشدّ وأضرّ لما امتاز به على الكفر وعداوة المسلمين من خداعٍ واختراقٍ لصفوفهم. فكان لابدّ من تبيّن المنافق ومعرفة علاماته وصفاته ليحذره المسلمون ويتوَقَّون شرّه. وقد بيّنها الله لنا في كتابه وسنّة رسوله عليه الصلاة والسلام، وأهمّها:
1- ·مرض القلب: فيختلّ إدراك صاحبه وإرادته حتى لا يرى الحقّ، أو يراه على خلاف ما هو عليه فيبغض الحقّ النافع ويحبّ الباطل الضار
ّ2- الإفساد في الأرض: ﴿ وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون. ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ﴾ [البقرة:11-12].
3- يرمون المؤمنين بالسفه: ﴿ وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس، قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ﴾ [البقرة:13]
.4- اللّدد في الخصومة والعزة بالإثم: فالمنافق يأتي بالقول الجيد يتشدق به ويلوي لسانه به ويُظهر الإسلام والصلاح ،ويخفي نوايا الفساد والإفساد، ويُشهد الله والمؤمنين أنّ الذي في قلبه موافقٌ للسانه، لكنّه ألدّ الخصام.
5- موالاة الكافرين والتربص بالمؤمنين
6- بالخوف والكذب فخوفهم أن تكشف حقيقتهم يدفعهم للكذب وإدّعاء الإيمان والحلف على ذلك.
7- الخداع والرياء والتثاقل على أداء العبادات: يظنّون أنّهم يخادعون الله كما يخادعون الناس، وذلك محض جهل عن الله، وهو الذي وسع كلَّ شيءٍ علماً. ولا يؤدّون العبادات إلاّ عن كرهٍ مراءاة واسترضاء للناس دون رب الناس.
8- التحاكم إلى الطاغوت: يزعمون بألسنتهم أنّهم مؤمنون بالله وما أنزل ثمّ يتحاكمون إلى الطاغوت، أي الباطل، وهو ما يخالف شرع الله من كتابٍ وسنّةٍ.
9- الحرص على الإفساد بين المؤمنين وتفريق صفوفهم بالنميمة وبثّ البغضاء وإشعال الفتنة فيما بينهم.
10- الطعن في أهل الحقّ وأعمالهم، والرضا والسخط تبعاً لحظّ النفس: فإن أعطوا كما يريدون رضوا، وإن لم يُعطَوا سخطوا وغضبوا ورَمَوا أهل الحق بالظلم والحيف.
11- الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف: مرضت نفوسهم حتى أنفت الخير ومن يفعله، ودعت لقبائح الأفعال.
12- الغدر والخيانة وعدم الوفاء بالعهد.
13- ·يعيبون المؤمنين ويسخرون منهم: ينتقدون أعمالهم ويُؤّلونها سوء التأويل.
14- ·تواصيهم بترك الجهاد.
15- ·الإضرار بالدين وبالمؤمنين: بأفعالٍ في ظاهرها مشروعةٌ وتخدم الدين ويُقصدُ بها تدميره وتشويهه.

4. العصاة المسلم غير معصومٍ، ذلك أنّ نفس الإنسان قابلة لارتكاب المعصية كما هي قابلة لفعل الطاعة، قال تعالى: ﴿ ونفس وما سوّاها. فألهمها فجورها وتقواها﴾ [الشمس:7-8]. والمطلوب الحرص على طاعة الله وعدم معصيته ﴿ قد أفلح من زكّاها. وقد خاب من دسّاها﴾ [الشمس:9-10]. وإذا وقع في المعصية فعليه أن يقلع عنها و يسارع بالتوبة إلى ربه. ولعلّ من أعظم أسباب المعصية: ضعف الإيمان الذي يفضي إلى غلبة الشهوة، مع إغراء الشيطان وتزيينه للمعصية، كذلك طبع الإنسان الذي يجعله يؤثر اللذّة العاجلة وإن قلّت على اللذّة الآجلة وإن عظمت وإيثار الدنيا على الآخرة. ومن أسباب المعصية الجهل بكمال علم الله، بحقّ الله من الطاعة التامّة مقابل كمال إنعامه وعظيم سلطانه، بعدله وقدرته على العباد، بضرر المعصية في الدنيا والآخرة، بدنوّ الأجل، وأنّ رحمة الله فريبٌ من المحسنين

ويتعيّن على المسلم أن يقي نفسه من المعاصي وأسبابها، ويهيّء لنفسه مناخاً نقيّاً تقيّاً كصحبة الصالحين، والتزام مجالس العلم والذكر، وألّا يستصغر ذنباً مهما ظنّه صغيراً، بل ليتذكّر عظمة من يعصيه وعلى الداعي أن ينظر إلى العصاة نظرة إشفاق ورحمة. فيراهم كالواقفين على حافة واد عميق سحيق في ليلة ظلماء، يخاف عليهم من السقوط، ويعمل جهده لتخليصهم من الهلاك

الدعوة في عصرها الذهبي
كانت دعوة النبي محمد عليه الصلاة والسلام إلى الله متغلغلة في أعماقه في كل تصرف و قول وغزوة فقد بذل كل جهد و عناء و قوة منذ بدء الوحي في سبيل الإسلام و نصر الدين. ففي سيرة النبي محمد منذ بداية الوحي دروس عظيمة في الصبر على الدعوة إلى الله:
– في مكة المكرمة صبر على إيذاء قريش له وتكذيبهم له و لكن الله جعل له عمه أبو طالب و زوجته السيدة خديجة خير عون و نصرة له.
– عام الحزن: في نفس العام توفي عمه و زوجته و اصبح بلا سند الا الله .
– خروجه إلى الطائف و إيذائهم له أشد الإيذاء و شكواه إلى الله و نصرته بإسلام عداس الفتى النصراني .
– رحلة الإسراء و المعراج :كانت هدية من الله له و جبر كسره من ما لاقاه من قومه حتى أنهم كذبوه ولم يصدقوا هذه الحادثة.
– الهجرة إلى يثرب  ملاحقة قريش له و لصاحبه أبو بكر و عين الله ترعاهما.
– غزواته : كان يعلم أصحابه و رسله أصول الدعوة إلى الإسلام، فكان يأمر رسله أن يبلغوا دين الله باللين و الحكمة و الموعظة الحسنة فإن أبوا و رفضوا الإسلام فيكون القتال والعنف.
– فتح مكة: على كل هذا الصبر الذي لاقاه النبي نصر الله عبده و أعز جنده و جاءت البشارة بفتح مكة المكرمة .
– مراسلة الملوك و العظماء في بقاع الأرض: كان يدعوهم إلى الله بالحسنى و الأدب و لكن مع عزة و إباء فكان لا يقدم اسم أي ملك مهما كان شأنه على إسم رسول الله. فيجب علينا الإقتداء بدعوة النبي محمد عليه الصلاة والسلام و السير على خطاه لنشر هذا الدين العظيم والصبر على الأذى في سبيل ذلك.

الدعوة في عهد الفتوحات
بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم تتقف سيدنا أبو بكر رضي الله عنه فقد حارب المرتدين الذين ارتدوا عن الإسلام بعد وفاة النبي و أنفذ جيش أسامة بن زيد {الذي عقده النبي محمد قبل وفاته }إلى الشام للثأر ممن قتل في غزوة مؤتة , و أرسل الجيوش لفتح بلاد  الشام و العراق و إيران.
كان إيمان أبو بكر يوزن بإيمان الأمة كلها , أمضى عامين و نصف في حماية الإسلام و الدفاع عنه  بعد النبي .
تابع المسيرة سيدنا عمر رضي الله عنه في حماية الدين و نشره فقد أخضع دولة الفرس العظيمة و ضمها إلى ممتلكات الإسلام و فتح بيت المقدس قوله الشهير: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابيتغينا العزة بغيرة أذلنا الله . قالها عندما صلب منه أبو عبيدة بن الجراح بتغيير لباسه عند دخوله لتسلم مفاتيح بيت المقدس.
خلافة عثمان رضي الله عنه ذي النورين و جامع كتاب الله تابع الفتحات الإسلامية إلى أن وصلت إلى أذربيجان و إفريقيا.
وكان الخليفة علي رضي الله عنه من قادات الداعين إلى الله لكنه انشغل بالفتن الداخلية التي حدثت في عهده والتي أوقفته عن متابعة الفتوحات لمدة خمس أعوام متتالية و سيأتي الحديث عنه في صفات الداعي فهو خير مثال.
عهد الدولة الأموية: تنشطت الفتوحات حتى استطاع قتيبة بن مسلم فتح الصين. فتح طارق بن زياد الأندلس و أوربا.
عهد الدولة العباسية: تابعوا الفتوحات و حماية الحدود الإسلامية.
كل هذه الفتوحات في زمن الخلفاء و بني أمية و العباس لم تكن غايتها مطامع استعمارية أو اقتصادية بل فقط كان الهدف نشر دين الإسلام فكان الدعاة يدخلون على القوم  فيعرضوا  أولا الإسلام ( بالحكمة و القدوة و الموعظة الحسنة لا إكراه في الدين ) فإن أبوا فالجزية و إلا فالقتال لإعلاء دين الله و نشره.
إن البلاد التي دخلها الإسلام ما زالت أسس الإسلام مترسخة فيها حتى يومنا هذا وإن حكمها غير المسلمين  ماعدا بلاد الأندلس. في زمن عمر بن عبد العزيز أصدر مرسوم أعاد فيه الأراضي التي ضمتها الدولة الأموية إلى بلاد المسلمين ممن أسلم أصحابها أعادها إليهم., إلا أن بعض الولاة لامه بذلك  لأن الدولة الأموية ستعود فقيرة فقال له ذلك خير إن دخل الناس في دين الله أفواجا فالنبي محمد  بعث داعيا و لم يبعث جابيا .
الدولة العثمانية جاهد الخلفاء الأوائل منهم  بأنفسهم في نشر الدين فقد دخلوا بجيوش عظيمة فأخذوا البلقان و الإتحاد السوفيتي و وصلوا إلى أوربا فضموا فرنسا إليهم   لكنهم أدخلوهذه البلاد للتوسع فقط فكانت غايتهم التوسع في الممتلكات  لا نشر الدين  و غفلوا عن إدخال الشعوب في الإسلام و بث الدعاة فيها و الدعوة إلى الله.و لما ضعفت  الدولة العثمانية تقلصت الأراضي و عادوا للكفر
العثمانيون الأواخر هدموا الدين وحاربوا العرب و اللغة العربية و لغة القران وضاعت هيبة الدولة العثمانية للأسف فعند ذكر خلفاء هذه الدولة بخير نعني الأوائل فقط.

العرب والعربية والدعوة
الدعوة جسد و روح :جسدها العروبة و روحها دين الله، فالعرب هم محرك الدعوة منذ زمن النبي ومنذ بداية الفتوحات و ما بعدها. فاللغة العربية هي جوهر الدعوة والعرب اختارهم الله لأنهم قادرون على قيادة الدعوة بما يملكون من خصائص  أخلاقية و صفات عظيمة إلى جانب اللغة لو عادوا إلى دينهم . و هم وحدهم المسؤولون عن تعليم اللغة العربية لغة القران ونشرها بين الأعاجم.

اتجاهات الدعوة في العصر الحديث
ترصد العدو الصليبي  منذ زمن الدين الإسلامي تحت ستار النصرانية وكانت النصرانية في الغزوات التي سميت بالصليبية أبعد ما يكون عن أعمالهم و تصرفاتهم. كان  العدو عندما يدخل أي بلد يكون سلاحه الأول و الأهم إضعاف اللغة العربية و محاربتها و إحلال لغته بدلا منها فهو بذلك لا يحارب لغة العرب فقط بل يحارب لغة القران الكريم. وبعد الحملات الصليبية والاستعمار الحديث وسقوط الحكم الإسلامي والخلافة الإسلامية تفرقت الأمة ودخلت أفكار غريبة وغاب العمل الموحد الممنهج الذي يرعاه ولي الأمر خليفة المسلمين، فاجتهد الدعاة لتنظيم عملهم وبدات تظهر بعض الجماعات الإصلاحية في بعض البلدان هدفها تربية الجيل الجديد تربية دينية صحيحة بناء على أوامر الله تعالى هذه الجماعات تنوعت أهدافها وغاياتها ومجالات عملها.
اليوم الوضع خطير في الأمة فقد شاع حب الأنانية و انصرف الناس إلى المال و كيفية جمعه بأي طريقة فأصبحت الجماعات التي  تعمل على تهذيب النفوس و إصلاحها و بيان طرق الكسب الحلال ونشر فقه معاملات فضلاً عن فقه العبادات حاجة ملحة.
هناك أيضاً الناحية السياسية، من الناس من يقول عن السياسة نجاسة و إنها تتعارض مع الدين و هذا كلام غير صحيح لأن الخلفاء رضي الله عنهم كانوا يهتمون بها و بسماع أخبار الملوك و الأمم  و كانوا يلقون كلمات و خطب هي  أشبه ببان سياسي اليوم يبينون فيها منهجهم في الخلافة مثل خطاب سيدنا أبو بكر عند توليه الخلافة.
لكن كون الدين شامل لكل نواحي الحياة بما في ذلك السياسة لا يعني أن يعمل كل داعية أو عالم بالسياسة فمثلاً في دعوة الشيخ عبد الكريم الرفاعي وأولاده لم يشتغلوا بالسياسة… لأن السياسة هي  علم مثل باقي العلوم  له أصوله و قواعد و له جامعات و تخصصات و دراسات عميقة فهو مثل علم الطب بل أخطر فالخطر في الطب إذا مارسه جاهل يقع على المريض لكن في السياسة على الأمة فلا يستطيع أي إنسان جاهل بالتاريخ و السياسة أن يمد يده إليها فهو اثم و يجب معاقبته إن فعل لأنه يضر بمصلحة المسلمين عامة.
للأسف هناك جماعات سلكت السياسة دون علم و دراية فهلكت و أهلكت أمتها .
وهناك جماعات التصوف منهم من دخلت البدع والخرافات إليهم ومنهم  الذين استندوا على أصول الشريعة و اعتمدوا حديث (إن الله ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم) وقد كان السلف  إذا تعارض علم الشريعة مع علم التصوف ضرب بعلم التصوف عرض الحائط لأن علوم الشريعة هي الأساس الذي أقيم عليه هذا الدين…. فإن كان التصوف ملتزماً بضوابط الشريعة فهو تصوف صحيح سليم لا غبار عليه بل هو علم يهتم بالقلوب أما التصوف الذي غالى فيه البعض و خرجوا عن أصول الشريعة فيجب الحذر منه.

أسس الدعوة إلى الله
لا بد لكل من يدعو إلى الله أن يدعو على علم و بصيرة قال تعالى :قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا و من اتبعني و سبحان الله  و ما أنا من المشركين. فمن دعا عن جهل فهو ليس من المتبعين المذكورين في الاية. وللدعوة اصول ومصادر يستمد منها الداعية التعاليم والمفاهيم التي ينشرها بين الناس داعياً إياهم إلى طرؤق الحق

أصول الدعوة :
أصول الدعوة هي كتاب الله و السنة الشريفة و السيرة النبوية و سيرة الخلفاء الراشدين و سيرة السلف الصالح ممن حملوا ارث النبي في الدعوة .هذه الأسس تستقي الدعوة منها معارفها  والشرع هو شرع الله أما  العلماء الشرعيون والمفتون حين يفتون فهم فقط موقعون عن الله ورسوله ولا خيار للدعاة أن يناقشوا أو يغيروا  فيما نزل .فالتعدي على حكم الله من وضع أو إلغاء فهو خروج عن الإسلام و هذا لا يتعارض مع إعمال العقل و التفكير في تفسير النصوص و لكن هذا يأتي بعد الوحي و النص لا قبلهما.
–الدعوة تحتاج إلى تطوير دائم بالزمان و المكان و الناس فهذا التغيير لا يتعلق بالدعوة بل بأساليبها و وسائلها دون تعارض مع النصوص.
–مهما كانت الظروف القاسية التي يتعرض لها بعض رجال الدعوة فلا يسمح لهم بتغيير مبادئ الإسلام و أصوله وعقائده فهو دين الله والدعاة و الناس أجمعين عباد لله لا يحق لهم أن يغيروا أي مبدأ (حلالاً  أو حراماً) …
وخير مثال على ذلك النبي محمد عندما كان الدين ضعيف في مكة المكرمة و حوله شبان قليلون و المشركون ضده من كل جانب و الدنيا كلها كفر و ضلال جاءه نفر من عظماء قريش يعرضون عليه أن يعبدوا الله شهرا و يعبد النبي  الهتهم شهرا فنزلت مباشرة سورة الكافرون و الله أعلم بحال النبي و أصحابه… فلا تهاون في دين الله . إذاً الدعوة وحي من السماء لا خيار لنا فيها و الخضوع لنصوصها واجب علينا .

تهمة الأصولية و الأصوليين
هنالك شبهات أثارها الأعداء و تولى العلماء الرد عليهم جميعاً. ومن الشبهات الحديثة التي أثارها الغرب أنهم يتهمون المسلمين زوراً و بهتاناً بتهمة الأصولية (أو ما يسمى بمذهب العصمة حسب ترجمة موسوعة المورد) وهم بذلك ينسبون للمسلمين ما عرف عندهم عن  فرقة منهم لها مجامع و كنائس معينة وهي الحركة الأصولية الانجليكانية
وتقوم مبادئ هذه الفرقة على أن نصوص الكتب المقدسة السابقة من توراة وإنجيل هي نصوص لا تقبل الغلط فهي معصومة مقدسة وإلى وجوب الإقتصار على ظاهر المعاني في الكتب المقدسة دون تأويل أو استنباط للمعاني العميقة منها. وألصق الغرب هذا المذهب ببعض الحركات المسلمة التي تقوم على العنف  فكل ما يعرف بالجماعات المسلحة مثلاً هي جماعات أصولية بحسب نظرتهم ثم أصبحت تطلق على كل أو غالبية المسلمين باعتبارها تهمة تطلق على كل الحركات سواء التي تقوم على علم و أو اتزان أو تصوف أو جهل أو عنف
أما نحن فنظرتنا و ردنا هو أنه بالنسبة لأن النص معصوم فهذا صحيح لكن الفرق أن  الغرب فئة منهم يأخذون بعصمة الكتاب المقدس فقط والغالبية لا بينما نحن  فكل المسلمين يؤمنون بعصمة كتاب الله مهما كان حال إيمانه ولو كان جاهلا أو فاسقا أو بأي حال فهو لا يقبل أن يطعن أحد أمامه بكلمة من كتاب الله .
يقول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : { وكتاب الله تبارك وتعالى فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم ، هو الفصل الذي ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله تعالى ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله تعالى ، وهو حبل الله المتين , وهو الذكر الحكيم , وهو الصراط المستقيم , وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا تشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه} أخرجه الترمذي
قال تعالى : و إنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
والأصولية عند الغرب تعني الوقوف على حرفية النصوص دون إعمال الفكر فيأخذون منطوقها فقط و هذه التهمة مستبعدة عن المسلمين لان القران بحد ذاته يأمرنا بإعمال العقل و استنباط الأحكام منه و هذا كله حكم الله تعالى.

فالمسلمون منذ الأزل يفسرون النصوص القرآنية و يستنبطون الأحكام إلى الان ماعدا فرقة صغيرة هي الظاهرية ثم اندثرت و لم يبق لها أثر إلا في بعض الكتب وقد أنشأها داوود بن علي وهو من تلاميذ الإمام الشافعي لكنه كان ذا عقلية خاصة يلزم بعدم تجاوز النص ضاق ذرعا بتفسير و توسع الإمام الشافعي فاتخذ مذهب خاص سمي بمذهب الظاهرية يحرم عليه و على أتباع القول بالقياس مع أنه حجة شرعية فالنبي صلى الله عليه وسلم أخذ به ( والقياس هو وجود أمر مستجد لا يوجد فيه حكم مع أمر اخر متشابه في العلة و السبب وفيه حكم فيعطى للأمر الجديد الحكم نفسه مثال: تحريم الخمر لعلة ذهاب العقل فأي مشروب يسكر يأخذ نفس حكمه….) والإسلام دين العقل بريء من الظاهرية و جمود النصوص ولهذا فإن كانت الأصولية تعني الحرفية فهي تهمة نحن بعيدون عنها. نحن و الغرب نختلف في حاجتنا لمفهوم العصمة أو الأصولية لأنهم يختلفون فيما بينهم ويتصارع الأصوليون مع الحداثيين خصوصاً بعد الإصلاحات الكنسية فهم يتناقشون هل كتبهم هي كلام الله أم المفهوم البشري لكلام الله لأن الاكتشافات العلمية تصطدم بما ادعوا عصمته …أما القرآن الكريم فلم يطرح أحد هذا الأمر في تاريخ الأمة ولا يسأل مؤمن إيماناً يقيناً هل القرآن هو من الله أم هو مفهوم بشري لكلام الله فالكل متفق أنه كلام الله الخالص .
كما أن علماء الأمة حرصوا على جعل التفاسير و الإستنباطات  كلها على الهوامش وأحياناً بلون آخر وهي مجموعة في كتب غير كتاب الله تعالى الذي لم ولن يتغير أو يحرف . لذلك لا مبرر لحوار العصمة و لا للصراع بين المسلمين من اجل ذلك.
وايضا لا مبرر للحرفية لأن الله خاطبنا (فاعتبروا يا أولي الأبصار) والاعتبار هو العبور من الظاهر إلى الباطن والمعاني ووصف الله عباده المؤمنين النخبة في سورة الفرقان (والذين إذا ذكروا بايات ربهم لم يخروا عليها صما و عميانا) ….
ويحاول الغرب أن يزج المسلمين في معارك وهمية  بين أصوليين  ودعاة الحداثة وهذا الخلاف غير حقيقي لأنه لا خلاف بين المسلمين في عصمة النص  وعدم الأخذ بحرفيته دون استنباط بل لقد اهتم العلماء بوضع قواعد للاستنباط والفقه لكن هم الغرب تفريق صفوف المسلمين.

القرآن و كيف يتعامل الداعية معه

أول أصل من أصول الدعوة القران الكريم :هو الكلام المنزل على النبي محمد عليه الصلاة و السلام المتعبد بتلاوته المعجز باقصر سورة منه. ولا حاجة لتعريفه طبعاً لمعرفة كل الناس به. قال تعالى :قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا و من اتبعني.
فالدعوة على خطا النبي محمد واجب على كل مسلم حقيقي.
القران هو الذي لا علاقة للبشر فيه و لا يحتمل الخطأ و لو بحرف واحد. والقران متواتر: التواتر هو: المنقول عن جمع عظيم من الناس لايمكن اتفاقهم على الكذب. هكذا نقل القران من جيل الى جيل بكل حذافيره و سيبقى الى قيام الساعة باذن الله.

قال عبد الله بن مسعود: لا تهذوا القرآن كهذ الشعر ، ولا تنثروا كنثر الدقل ، وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ، ولا يكون هم أحدكم من السورة آخرها. فيجب عدم قراءة القران بسرعة بدون علم و تفحص و معرفة الـأحكام .
لقد اختلفت قراءة القران الان عن الزمن الماضي فقال سيدنا الحسن: لقد أدركت قوما يعني الصحابة يرون القرآن رسائل من ربهم إليهم يتدبرونها بالليل و يتفقدونها بالنهار. فإذا أراد امرؤ أن يكون داعية إلى الله تعالى فعليه قراءة القرآن الكريم بتمعن و كأنه يتلقى من الله الأوامر و النواهي والتلقي يعني أن تدخل القراءة إلى قلب القارئ فتغير سلوكه
جاء الإسلام ليغير منهج الناس  فكل إنسان تتدخل شخصيته وأهواؤه وآراؤه المسبقة عندما يحكم على الأشخاص و الأحداث وغالبا ما تكون هذه الأحكام مشوهة خاطئة. يعود سبب  إصدار الأحكام على الأشخاص و الأمور إلى عدة منابع شكلت من خلالها :
– البيئة: تصرف الوالدين و الأقارب و كل من حولك تؤثر في منهجك بالحكم على الأمور .
– الأهواء و الشهوات : تشكل موضع هام في الشخصية.
– الثقافة دينية أم غير دينية : تحدد بعض المعاني في الشخصية.

فعندما نقرأ القرآن يجب أن تكون قراءتنا قراءة تلق بقصد تغيير الشخصية من داخلها  و المناهج المتحكمة بإصدار الأحكام على الأشخاص و الأحداث لا أن نقرأه وفق مناظيرنا المسبقة المشوهة. على الداعية أن يقرأ القرآن بتمعن من أجل إصدار الأحكام على الأمور من كتاب الله بعيدا عن البيئة و الشهوات والأهواء والأفكار المسبقة.
مثال: قال تعالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم. فيجب أن يكون الحكم على شخص بالتقوى فقط . فمن يقدم أحداً بالمديح  على الأتقياء من عباد الله فهو بعيد عن القرآن و أحكامه.
إذاً على المسلم عموماً والداعية خصوصاً قراءة القرآن بتمعن واستخلاص الحكم منه على الأشخاص و الحوادث بعيدا عن البيئة و الثقافة و الشهوات قال تعالى : ونزلنا الكتاب عليك تبيانا لكل شيء و هدى و رحمة و بشرى للمسلمين…..

السنة النبوية
السنة هي كل فعل أو قول أو تقرير ورد عن النبي محمد عليه الصلاة و السلام. وتدخل فيها أيضاً صفاته و شمائله.

– من هو النبي محمد؟
النبي الذي يتحلى بكل الصفات الحميدة و على أعلى مستوياتها لكن هنالك صفة تطغى عن كل وصف و أعظمها وهي صفة الرسالة ( وما محمد إلا رسول). والوحي ليس صفة أو تكليفاً سهلاً يتحمله البشر فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام عندما ينزل عليه الوحي يتصبب عرقا فهو ينزل عليه ثقيلا كالجبل وهذا مما لا يتحمله أي بشر بينما الصفات الأخرى فربما يتحلى بها كثير من البشر.(قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي). وهذه الصفة هي أهم صفة وكل أعداء الإسلام ينكرون هذه الصفة عن النبي وإن اعترفوا له بالصفات الأخرى من صدق وأمانة وحسن خلق وذلك منذ بداية الدعوة. وقد مدح الله تعالى النبي في القرآن فقال: و إنك لعلى خلق عظيم.
ومن صفاته العبودية التي هي – أي العبودية – عموماً تعتبر ذلاً في الدنيا إلا العبودية لله تعالى , (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) ,(أنزل على عبده الكتاب).فهي صفة مدح ولنعلم أن لا أحد يبلغ مبلغ النبي في العبودية.

– قد يسأل سائل ماذا فعل النبي  محمد حتى نال شرف النبوة؟
إنها عطاء و فضل من الله تعالى و لولا فضل الله لما وصل لهذا الشرف يقول تعالى (الله أعلم حيث يجعل رسالته). والإنسان مهما ارتقى في عبادته و تقواه و زهده فلن يصل إلى مرتبة التبليغ من الله.

– الإيمان بنبوة النبي محمد عليه الصلاة و السلام: يقول تعالى (إنما المؤمنون الذين امنوا بالله ورسوله) , فليس مؤمن من لا يؤمن بالله و رسوله. ويقول عز من قائل: (فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما) فيجب التسليم لحكم النبي و طاعته المطلقة يقول تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله) ويقول عز وجل  (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو عذاب أليم). فالإيمان بالنبي محمد مقرون بالإيمان بالله تعالى.

– إشكالية: من وجد أولا الرسالة أم الرسول؟
والجواب: وجدا معا (وهذا يطلق عليه في اللغة العربية لفظان متضايفان) مثال : الوالد و الولد،  المتعلم و المعلم … فلولا الرسالة التي يحملها الرسول لما كان هناك رسول و لولا الرسول لما سميت الورقة الموجودة رسالة و من لا يؤمن بالرسالة فلا يؤمن بالرسول والعكس صحيح.

– كل تصرف للنبي محمد أو كلام أو سكوت أو فعل كان مغموساً بالدعوة إلى الله تعالى. قال تعالى واصفا حرقة النبي محمد و سعيه و جهده  في تبليغ الدعوة إلى الله: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين) أي لعلك هالك نفسك على إيمانهم . وفي الحديث عن الإمام حنبل أن النبي كان يضحي بكبشين و يقول اللهم إنها عني و عن أمتي لمن شهد لك بالوحدانية و لي بالبلاغ .

الخلق يوم القيامة متعبدون بشهادة تبليغ الأنبياء للرسالة و الرسول محمد متعبد بالشهادة لهم بالتصديق. قال تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا).  يأتي النبي نوح عليه السلام يوم القيامة و يقول لله يا رب أديت الأمانة و بلغت الرسالة و لكن قومه ينكرون ذلك و يقولون ما جاءنا من نبي  فيسأله الله من يشهد لك بذلك فيقول نوح الكريم يشهد لي محمد و أمته فيشهد له النبي محمد و أمته بأنه أدى الرسالة و بلغ الأمانة …فيشهد النبي لأمته بذلك.

فالنبي أمضى حياته لتبليغ الرسالة و الدعوة إلى الله و شهادة أمته له في الدنيا ثم يوم القيامة. يقول تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الاخر و ذكر الله كثيرا) , فيجب على كل داعية أن يمشي على سيرة النبي و يجعله قدوة له و مرجعا له عن طريق مطالعة كتب السنة . والدعوة واجب على كل مسلم بتبليغ هذه السنة قال النبي (نضر الله وجها سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع) . حتى إن العدو لا يقاتل حتى يدعى إلى الإسلام بالحسنى أولا فإن أبوا فالقتال ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) , بينما الذي كان بالسلاح و القوة هو إزاحة الملوك و الأمراء الطاغين . فدعوة النبي محمد كانت بالحكمة و الموعظة الحسنة و الهدى و دخول السكينة إلى القلب.

سيرة السلف الصالح
وهي المصدر أو الأصل الثالث للدعوة وتبدأ بسيرة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم فينبغي للداعية إلى الله أن يدرس سيرهم بعد دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ليتعلم منها كثيراً من أمور الدعوة. وكذلك الصحابة الأفاضل والتابعون ومن تبعهم من الدعاة من السلف وكلهم كانوا لا يجبرون احداً على الدخول في الإسلام زمن الفتوحات بل ينشرون الدين بالحكمة و الموعظة الحسنة .

وقد مرت على الأمة عصور انحدرت فيها انحدارا شديدا نتيجة التخلف و فساد الأخلاق و تفشي الأنانية دون روح الجماعة فكان الظلم والبعد عن الدين سببا لغزوالصليبين والتتار لها (من أمثلة خوف المسلمين و انهزامهم ماأورده بعض المؤرخون من أن إمرأة من التتار حبست رجالا مسلمين في زقاق و طلبت منهم عدم التحرك ريثما تذهب و تأتي بالسيف و ذهبت وجاءت به و قتلتهم واحد تلو الاخر مايدل على بعدهم عن الله تعالى و ذلهم و استكانتهم ) . بعد هذا الانحدار و وصول الحكام إلى الدناءة والتآمر على بعضهم البعض للوصول إلى الحكم . قيض الله لهذه الأمة من أعاد الدولة الاسلامية وذلك على أيدي قادة أحيوا الأمة بدم جديد يذكر بأيام الصحابة فقاموا كرجل واحد مع دين الله و تخلصوا من غبار الذل و طردوا الفرنجة والتتارمن بلاد المسلمين . هؤلاء الرجال و مدارسهم و تلاميذهم استطاعوا تربية الأمة تربية السلف على  العلم و العمل و الدعوة إلى الله فبعثوا الأمة بعثة جديدة .
قال تعالى : ( إن الله لا يغير  ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) وقال النبي محمد يصف هؤلاء الرجال المجددين  و غيرهم من الناس (إن الله يبعث على كل رأس مئة سنة من يجدد لهذه الأمة  أمر دينها .

من المجددين:
هؤلاء الرجال حولوا الأمة إلى امة فعالة و أعادوا لها عزها و مجدها بعد وفاته . إذا عدنا بالتاريخ إلى حقبة من الزمن شبيهة بالحقبة التي نعيشها اليوم، تشبهها في الفساد و صفات الناس و الأوضاع الأخلاقية و السياسية و الاقتصادية. لكن الله لا يدع الناس ويرسل لهذه الحقبة من يجدد لها شأنها و بهاءها و عزها بعد الحضيض التي تعيشه . من هؤلاء المجددين : صلاح الدين الأيوبي ولكن ليس لوحده من أنقذ الأمة بل كان من ورائه جيش من الدعاة إلى الله.

وصل المسلمون إلى حال سيء بكل المجالات من تخلف و جهل و خلافات و رياء فتحول  الدين بدل أن يكون جامعاً ليصبح مفرقاً لصفوفهم بسبب الاختلافات الدينية، في هذه الأوضاع وجد الإمام أبو حامد الغزالي في ذلك العصر الذي يشبه عصرنا، عاش يتيما وكان  نابغة  أتقن العلوم و درس المذاهب الفلسفية السائدة و ألف كتاب مقاصد الفلاسفة ثم تهافت الفلاسفة ثم بدأ يطوف بلاد المسلمين و يتعرف على الأخلاق و العادات و المثل و يتخفى لكي لا يعرفه الناس عاش 10 سنين في دمشق دون أن يعرفه أحد فكان خادماً في المسجد الأموي يتعرف و يخالط الناس و العلماء. في عصره بدأ الفرنجة يتوافدون إلى بلاد المسلمين  فوجد أن الأمة لن تستطيع الوقوف في مواجهة الغرب لأنها أمة متهالكة متخاذلة، فرأى أنه يجب الكشف عن أمراض الأمة و تشخيصها و إيجاد الدواء بإيجاد جيل واع لنصرة الأمة فأنشا مدرسة بل مدارس يخلف في كل بلد تلميذاً من تلاميذه يعمل على نشر الدين للعمل على نصرة الأمة . مات الغزالي و لكن ما بقيت اثاره باقية من خلال مدارسه و إيمانه بأن نهضة الأمة لا تتحقق إلا من داخلها و ليس من ظرف خارجي وكان كتابه (إحياء علوم الدين) من أكثر الكتب تأثيراً حتى يومنا.

تخرج على هديه و كتبه الشيخ عبد القادر الجيلاني،  كان وعمره 35 عام كان يعيش بنور الله بعيدا عن ملذات الدنيا فكان يخاطب الرجال بلغة الإيمان بعيدا عن لغة الدنانير فكان همه الدعوة  إلى الله . مشى و تابع نهج الغزالي فأسس المدرسة القادرية في بغداد وإلى جانبها رباط والرباط هو بناء عظيم بجانب المدرسة لتطبيق العلم الذي يناله الطلاب في المدرسة ( يعيشون في جو من  الإيثار – المحبة – التعاون – الأخلاق و التعامل الواقعي الذي يرضي الله ) واستطاع أن يجمع بين العلوم الشرعية من عقيدة و فقه و غيرها وبين الصوفية المبنية على القرآن و السنة . الغزالي و الجيلاني  كل منهما تمم الاخر فالغزالي ركز في فترة فساد المجتمع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو عنده قطب الدين ومنهجه كما هو منهج الغزالي  أن  يبدأ المرء بنفسه فأهله فجيرانه ثم أوسع فأوسع …

كان من آثار جهد الغزالي والجيلاني أن قيض الله لهذه الأمة أن قامت دولتان عظيمتان هما النورية (قائدها نور الدين الشهيد) الذي وصفه ابن الأثير انه سادس الخلفاء الراشدين بعد الخلفاء الأربعة و عمر بن عبد العزيز .كان نور الدين جديا عفيف اليد و اللسان يقضي وقته في أحوال الرعية و عبادة الله وتدريب الجيش لإجلاء الفرنجة عن بلاد المسلمين. أثر على القادة و الرؤساء (حول أملاكه و أراضيه إلى مدارس و ربط للتعليم) أما الدولة الثانية فهي دولة صلاح الدين: فقد جعل أملاكه فداء للأسرى المسلمين ليعودوا إلى صفوف المسلمين . كان للدولتين أثرا كبيرا في أنحاء الدول فأشيع مدارس و أربطة و أيضا تعليم محو أمية الكبار و الحث على الأخلاق الحميدة فكانت لعلم و التربية الصالحة . استطاعت هذه المدارس بفترة من الزمن أن تحول الأمة إلى أمة حية تحمل روحا جديدة على نهج الصحابة .

الدولة النورية و الدولة الصلاحية
كان هم نور الدين إزاحة الصليبيين و تطهير البلاد منهم  و لا يمكن ذلك إلا بوحدة العرب  والمسلمين جميعاً. فكان شغل حياته الشاغل العمل على توحيد كلمة المسلمين كما  أمر الله بالاعتصام بحبل الله ودينه وشرعه وتقواه، فكان كلما ضم مدينة أو ولاية لسلطانه ودولته أقام المدارس والرباطات فيها. فمثلاً بعد أن ضم دمشق أقام فيها المدارس و الربط لتربية الناس على دين الله و أخلاق النبي . وقد كان ينفق على المدارس من رزق أهله . ثم أسقط الدولة العبيدية في مصر التي استعان حكامها بالفرنجة ضد بعضهم البعض فأرسل نور الدين أسد الدين مع صلاح الدين إليهم و أسقط دولتهم . وقد شهدت الدولة في عهد نور الدين و صلاح الدين رخاء اقتصادياً و عزاً و أمناً  فقد ألغيا الضرائب فكانت أموال بيت المال من الجهاد في سبيل الله وقد عرف عنهما تقشفهما في حياتهما فقد روي أن نور الدين كان يخيط في منزله الكوافي في أوقات الفراغ و يبعث عجائز تبيعها في الأسواق ليسد حاجاته إذا لم تكفي موارده من بيت المال المحدد له .
وبعد أن أصبح صلاح الدين هو السلطان أسست دولته أفراناً تعطي كل يوم للفقراء رغيفين و كان عهده مزدهرا بالبناء و الحدائق دون تبذير . و من أهم انجازات توحيد الأمة في زمن صلاح الدين و نور الدين أنهما حققا نظرية الهدف المشترك في نظريات القومية فحققا إمكانية العيش المشترك للعرب والقوميات الأخرى فلا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى بعد أن اندثرت هذه القيم و انتشر الذل و الهوان . ثم نظرية الأرض المشتركة فاستطاع نور الدين و صلاح الدين توحيد الأرض و المسلمين في دولة واحدة بعد أن كانوا ممزقين يتزاحم حكامهم للاستعانة بالفرنجة ضد بعضهم. قاد صلاح الدين معركة حطين بعد الإعداد الجيد بالتضرع إلى الله و التوكل عليه و الصلة به . واستطاع أسر أمراء الصليبين و لكنه بعد انتهاء المعركة تنقلب شخصيته و يرحم الأسرى و يترأف بهم . كتب عنه مؤرخ انكليزي يشرح أخلاقه و فضائله و رحمته مع الأسرى الصليبيين و زوجاتهم و يتذكر به حقد الفرنجة في الحملة الأولى  و تعذيبهم للمسلمين . وقد ذكر المؤرخون أنه لم تجب عليه الزكاة أبدا لإنفاقه كل المال في سبيل الله أما الحج فلم يحج لانشغاله بالحروب و عدم توفر نفقة الحج . وهذه الدولة ليس بدعاً في التاريخ ففي المغرب دولة شبيهة بالدولة النورية و الصلاحية هي دولة المرابطين التي قامت على الدعوة إلى الله .

صفات الداعية وعدته
1- الإيمان بالله تعالى أول صفة للداعية : الإيمان العميق بالله تعالى و لهذا الإيمان درجات بلغ الأنبياء و الرسل أعلاها ثم الصحابة رضي الله عنهم ( لو وزن إيمان هذه الأمة بإيمان أبي بكر لرجح إيمان أبي بكر ) . وهو إيمان يدفع المؤمن لأعلى درجات الإيمان بالله وصفاته وتمثلها والاستعداد للتضحية بالروح والنفس في سبيل الخالق البارئ المعبود ونعني بالايمان العميق، أن الداعي المسلم تيقن بأن الإسلام الذي هداه الله إليه وأمره بالدعوة إليه، حق خالص لأنه هدى الله وماعداه باطل وضلال قطعاً.
ما عرف التاريخ فتوحأً أقوى و أسرع من الفتوحات الإسلامية بسبب الإيمان العميق بالله فقد اوجد في أنفسهم استعلاء بالنصر و عزة بالدين .
يجب أن يكون الداعية إلى الله متيقن الإيمان بالله يعبد الله كأنه يراه و إن لم يكن يراه فالله يرى. ولهذا الإيمان العميق ثمرات أولها المحبة، محبة العبد لربه ومحبة الرب لعبده، قال تعالى: {يحبهم ويحبونه} سورة المائدة الآية: 54 ولوازم هذه المحبة أن يكون المؤمنون أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ومن لوازمها اتباع الرسول يقول تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} سورة آل عمران الآية: 31
ومن ثمرات الإيمان واليقين خوف العبد من ربه فرأس الحكمة مخافة الله ومن ثمراته أيضاً الرجاء وعدم القنوط.
هذا الإيمان وهذا اليقين تمكن من قلوب أصحاب النبي محمد عليه الصلاة والسلام والأمثلة كثيرة منها أن الخليفة عمر رضي الله عنه أرسل سيدنا معاذ إلى اليمن فعاد بالأموال الكثيرة , فسألته زوجته عن الهدايا قال انه لم يستطع أن يأتي لها بشيء لأنه كان معه ضاغط أي رقيب  فغصبت وشاع بين النساء أن عمر أرسل رقيباً مع معاذ صاحب رسول الله حتى وصل الخبر لعمر فجاء به و سأله فضحك معاذ ففهم عمر أن الضاغط هو الله و أعطاه هدايا لزوجه فالعبد عموماً والداعية خصوصاً يجب أن يعلم أن  الله مطلع عليه في كل حركة و سكنة .

2- القيام في الليل و التضرع أول دعوة للنبي كانت بهبوط جبريل عليه السلام الذي  حمله أمانة النبوة بعد ذلك مباشرة نزل عليه الغذاء المهم مصدر قوته و هو  قيام الليل (سورة المزمل) . من وسائل تنمية الإيمان في القلب  القيام بالليل و الصلة بالله و التفكر في صفاته . كان قيام الليل فرضاً على النبي محمد عليه الصلاة والسلام و أصحابه إلى أن خفف الله عنهم فجعلها نافلة وسنة للتقرب من الله بعد أن أصبحت الغذاء الروحي اللازم لهم . قال تعالى : ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل و نصفه  و ثلثه و طائفة من الذين معك  و الله يقدر الليل و النهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر من القران ) ….أكسبهم بذلك القوة في القتال و الصبر على الكافرين .
وأيضا الصالحون كان شعارهم قيام الليل ورد عن صلاح الدين أنه كان لا يدع قيام الليل حتى في أشد الظروف , كان لا ينام ليلة المعركة . و محمد الفاتح فاتح القسطنطينية  الذي حقق نبوءة النبي محمد بفتحها كان عبداً تقياً عالماً فقد كانت خطبه للجيش قبل الفتح الحث على الصلة بالله و قيام الليل و الذكر لتكسبهم القوة و الصبر و الشجاعة .
إن زاد التقوى قيام الليل.

3-العلم يقول تعالى ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا و من اتبعني ) فلا بد لكل داعية إلى الله أن يتسلح بحد أدنى من العلم الشرعي يسعى لتحصيله ليكون داعياً على بصيرة وليس من العيب أن يقول الداعية لا أدري ( إذا سئل عن أمر ) بل العيب أن يفتي خطأ و زورا و يضل الناس بغير علم والداعية يزداد شرفا و قربا من الله بتعلمه ( شهد الله أنه لا اله إلا هو و الملائكة و أولو العلم قائما بالقسط )  فقد أعلى الله شأن المتعلمين إلى مرتبة عليا …
قال النبي ( العلماء ورثة الأنبياء ) فمهمة الأنبياء الدعوة إلى الله و الدعاة بدعوتهم إلى الله يحملون مهمة الأنبياء .
والعلم لا يعني فقط التفقه في العلوم الشرعية بل كل علم ينتفع به في الدنيا كالحساب و الكيمياء و غيرها … جعله الإسلام فرض كفاية على المسلمين. لكن لا بد من التفريق بين العلوم العملية التطبيقية ( طب و هندسة …) والعلوم الانسانية خصوصاً عند أخذها من الغرب  فالأولى لا تحوي مخاطر أو شبهات أو كفراً  فهي اكتشاف لقوانين الله في الأرض وتفيد الناس في الحياة بل إن المتدبر في بديع خلق الله من خلالها يزداد إيمانه أما الإنسانية ( علم النفس و الحقوق و الاداب….) فتحوي على خطر شديد لأنها بنيت بالغرب على الكفر و الضلال مثلا مؤرخو التاريخ يطعنون بالدين و الأمة من خلال تحليل التاريخ الخاطىء وقوانين البشر الوضعية ودراسات النفسية النظرية التي لا برهان عليها كمفاهيم فرويد فيجب الحذر و العودة إلى المتخصصين من المسلمين حتى لا يقتنع الناس بشبهات تعارض الدين الحق واليوم هناك جهود تقوم على فكرة ( أسلمة المعرفة ) أي طرح المعرفة بالثوب المناسب الحقيقي و خاصة عند ترجمة الكتب من الغرب إلى العرب وهو ما نحن بحاجة  إليه اليوم.

4- العمل بالعلم لا بد من العلم أولا ثم لا بد من العمل به لتصديق العلم , إن آفة الدعوة في هذا العصر هو مخالفة الدعاة القول عن الفعل  , كانت حياة الصحابة تنطق بالعزيمة الصادقة في صوغ الحياة من جديد صياغة يرضاها الله و النبي .
قصة الأعرابي الذي جاء للنبي ليتفقه في الدين فأرسله إلى صحابي فعندما سمع منه قول الله (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره ) تولى و لم يعد ثم سأل عنه النبي فجاء فقال له عندما سمعت الآية علمت أن الله يعلم مثقال الذرة و يحاسب عليها فكفتني في دنياي فقال النبي للصحابي دعه فقد فقه في دين الله .

(يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) الداعية إذا عامل الناس على أساس مصلحته الشخصية دون إرضاء لله و على أسس دينه فهذا ليس بداعية . جاء في الحديث الشريف : يؤتي بالرجل يوم القيامة فيلقى في جهنم فتندلق أقتابه (أمعاؤه) من بطنه فيدور فيها كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع حوله أهل جهنم فيقولون مالك يا هذا لقد كنت تأمرنا بالمعروف و تنهانا عن المنكر فيقول نعم كنت آمركم بالمعروف و لا آتيه و أنهاكم عن المنكر و آتيه . فليتق الدعاة الله في أنفسهم و في الناس . (إن الله لا ينظر إلى صوركم و أموالكم و لكن ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم ) فالداعية عليه إصلاح القلب و العمل بالعلم و معاهدة الله في صدق الدعوة في قوله و فعله و أعماله كلها . ففي هذا العصر الأمة أحوج ما تكون إلى رجال صادقين ينهضون بها.

5- الشفقة و الرحمة إن العدو الوحيد و الدائم للإنسان هو الشيطان فالداعية عليه أن يعلم ذلك و أن يعامل كل إنسان وقع في أسر الشيطان برحمة و شفقة فهذا ركن أصيل في الدعوة إلى الله العاصي وحتى الكافر هو بشر أضله الشيطان واستحوذ عليه له قلب و شخصية فعلى الداعية معاملته برفق و لين و خطاب حسن بكلام يصل إلى قلبه لينقذه من غضب الله وعذابه وأن يكون صادقاً مع الله تعالى في دعوته. يقول تعالى وما أرسلناك إلا رحمة بالعالمين مثال ذلك رحمة النبي بأهل الطائف بعد استهزائهم به والإساءة الشديدة له و طرده، رغم ذلك فعندما قال له ملك الجبال لو شئت أطبق عليهم الأخشبين فقال اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون …… وأيضا الأنبياء السابقين كلهم لهم أدوار مشابهة من الصبر والدعوة باللين والموعظة الحسنة مشفقين على قومهم ومنذرين لهم من العذاب  فكلامهم ينبع بالرحمة للناس جميعا . حتى في الفتوحات الإسلامية كان المسلمون رحماء حتى قيل  ( ما عرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب ) وهنا ننوه أن الأجدر يقال المسلمين.

6- الزهد هي صفة يخاطب بها كل مسلم لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: ازهد في الدنيا يحبك الله و ازهد فيما عند الناس يحبك الناس . ولا يعني الزهد التخشن في العيش أو البعد  تماما عن متاع الدنيا  و اعتزال الناس كما يفعل الرهبان من النصارى أو البوذيين . الإسلام حدد حدوداً  للزهد ضمن أصول شرعية فمثاله عدم الأكل ( في الصيام) و عدم النوم (في قيام الليل وتقليل النوم للعبادة)  و أما سوى ذلك ليس زهد و لا تقرب لله فالمسلم يصوم ويفطر ويقيل ليستقوي على قيام الليل فالزهد هو أن يكون القلب متحرراً  من تسلط الدنيا  و الله هو المهيمن عليه . عرف النبي  الغنى و هو : ليس الغنى غنى المال بل غنى النفس أي غناها عن الشهوات و طمع الدنيا  ( فالنظر في الإسلام إلى القلب لا إلى ما في اليد ) .
أمر الإسلام أن يتوسع الإنسان في رزقه وخير مثال النبي عليه الصلاة والسلام. في اليهودي مخيريط  الذي دخل الإسلام و استشهد و أوصى بسبع بساتين للنبي محمد ( كان من أغنياء المدينة ) فأصبح النبي غنياً من أغنياء المدينة عندما آلت له هذه البساتين لكن النبي حبسها وقفا لله ولآل محمد يأكلون منها حاجتهم فالنبي لم يكن فقيراً لكنه زاهد وأيضا في غزوة حنين و الغنائم الكثيرة التي أعطاها لصفوان بن أمية  فقال صفوان: هذا عطاء من لا يخشى الفقر وبذلك ملك النبي قلوب العرب إذ أيقنوا أنه وإن ملك المال فهذه ليست غايته.  الزاهد يتخلى عن أمور الدنيا طمعا برضا الله في الآخرة . فالرزق عرفه العلماء هو ما ينتفع فيه الإنسان فقط ( أكل و لباس و صدقة ) حد الكفاية فالزهد واجب و فرض على الداعية فالأمر الهام له دعوة الخلق إلى الله فلا يخلط بين الدنيا و الدعوة .

قال الله ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى )  وأزواجا هنا لا تعني زوجات كما يلقي أصحاب الشبه بل تعني أصنافاً منهم فهناك من متعه الله بالمال او الجاه او الملك فالداعية يقصد بدعوته وجه الله ورضاه فقط لا دنيا يصيبها.

7- التواضع خيّر الله سبحانه وتعالى النبي محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يكون نبيا ملكا أو أن يكون نبيا عبدا فاختار أن يكون عبداً.  ومن تواضعه عليه الصلاة والسلام أنه كان لا يأكل و هو متكئ تواضعا لله تعالى . وكان النبي يوجه أصحابه بأن يتواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد و لا يبغي أحد على أحد . ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) . الكبر صفة الله وحده ( العز إزاري و الكبرياء ردائي فمن ينازعني منهم شيئا عذبته ) إبليس تكبر على الله فطرده الله من رحمته عندما رفض السجود لسيدنا آدم . فالداعية يجب عليه التحلي بالتواضع و لين الخلق و أن يكون جسرا ليوصل الناس إلى الله تعالى . من أمثلة السلف الصالح : سيدنا أبو بكر (حالب الشاة) فقد كان يحلب شاة امرأة مقعدة و يكنس بيتها حتى بعد أن أصبح خليفة . قال النبي الكريم : ألا أخبركم بأحبكم إلي و أقربكم مني مجالسا يوم القيامة قالوا بلى يا رسول الله قال أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا ( المتواضعون ) الذين يألفون و يؤلفون , ألا أخبركم بأبغضكم إلي و أبعدكم مني مجالسا يوم القيامة قالوا بلى يا رسول الله , قال : شراركم أخلاقا الثرثارون المتفيهقون المتشدقون . وفي الحديث لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من خردل من كبر.
فالداعية إلى الله متعبد بالتواضع وبالجلوس مع الفقراء و ذوي الحاجات ففيهم الخير و البركة.  قال الله معاتبا النبي عندما جاءه أشراف القوم المؤلفة قلوبهم و طلبوا منه الجلوس معه و أن يطرد الفقراء الجالسين فأنزل الله : و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه و لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحية الدنيا و لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا …. فعانق النبي الفقراء و قال معكم المحيا و معكم الممات مرحبا بمن عاتبني فيهم ربي .. الهم الوحيد للداعية رضا الله و تبليغ الدعوة لكل الناس . ويجب أن يحذر الداعية ويتجنب ذكر نفسه و البهاء بها في خطابه و التفاخر بأعماله فالخير الذي فيك ينسب إلى الله تعالى و فضله عليك . ( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا و يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب و لهم عذاب أليم )  .
سيدنا عمر عندما أصبح أميرا للمؤمنين حدثته نفسه مرة بأنه أمير المؤمنين فصعد المنبر و قال : يا أيها الناس كنت أرعى غنما للناس على قراريط و قد أصبحت اليوم أميرا للمؤمنين أقول قولي هذا و أستغفر الله . (فكان ذلك تربية لنفسه حتى لا تعود للكبر )

والتواضع لا ينافي عزة النفس أبداً فالذل في الطمع في المناصب والجاه والشهرة والعز في تركها فمن تواضع لله رفعه

8- الصبر الصبر لأي غاية حتى لو غاية دنيوية فهو خلق جوهري للداعية في سبيل رضا الله . الله لا يحاسب على النتائج بل عن العمل فالنبي يبعث و معه أمة كاملة و يبعث النبي و معه عدة رجال و نبي رجل واحد و نبي ليس معه أحد … مثال صبر النبي محمد ليس كصبر أحد في الدعوة إلى الله امتحنه الله في إعراض أهله و عشيرته و إقبال العبيد و الفقراء . والرسول يعلمنا الصبر فعندما كان عليه الصلاة والسلام ساجداً ورمى أحد الكفار عليه وسخ الشاة بكت فاطمة رضي الله عنها فقال لها لا تبكي يا بنية فإن الله ناصر أباك.  و أيضا نموذج الصبر العظيم الصبر في دعوة أهل الطائف فرغم كل ما فعلوه صبر راجياً لهم الهداية. الصبر عدة كل داعية إلى الله قال تعالى : فاصبر لحكم ربك و لا تكن كصاحب الحوت إذ نادى ربه و هو مكظوم …..النبي يونس ذهب غضبان من قومه لعدم إيمانهم به فمل و ضجر فعاتبه الله تعالى و ابتلاه  ثم استغفر الله .
الداعية اليوم يتعرض لاستهزاء و سخرية شديدة و مجادلة و إيذاء له  فالصبر عدة مهمة له و اللجوء إلى الله فالله ناصر دعوته و يقينه يجب أن يكون قوياً بنصر الله له. والصبر ليس فقط على المحن والشدائد وعتد الضراء بل ايضا عند السراء يكون الصابرون من الصديقين فالمسلم يذكر الله عند البلاء دون السراء بينما الصديقيون هم الصابرون و الذاكرون الله عند السراء . وهم يصبرون على تجنب الوقوع في الفتن كقوله تعالى انما أموالكم و اولادكم فتنة. ويصبرون على تجنب الوقوع في حب الدنيا واستئثارها بالقلوب. ومن الصبر أيضاً صبر الشاب الذي هداه الله في سبيل طاعة الله على أهله البعيدين قليلاً أو بعيداً عن مرضاة الله في بعض أفعالهم، كصبر موسى و هارون ضد فرعون ..

9- الصدق فالداعي المسلم الصادق يظهر أثر صدقه في وجهه وصوته فقد كان صلى الله عليه وسلم يتحدث الى من لا يعرفونه فيقولون: والله ما هو بوجه كذاب ولا صوت كذاب. ولا شك أن ظهور أثر الصدق في وجه الداعي وصوته يؤثر في المخاطب ويحمله ذلك على قبول قوله واحترامه إلا إذا كان عمى القلب قد بلغ منه مبلغاً عظيماً. وكيف يمكن أن يكون الداعي كذاباً؟ والكذب يهدي إلى الفجور كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف يمكن أن يكون الفاجر داعياً إلى الله؟

10- المخالطة والعزلة الدعوة الى الله من وجائب الإسلام ومن وسائلها مخالطة الناس فتكون المخالطة واجبة لأن ما لا يؤدي الواجب إلا به فهو واجب، والواقع أن طبيعة الإسلام تقتضي المخالطة، فالإسلام ليس معنى خاصاً بالفرد بل هو أيضاً عمل المسلم خارج نفسه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أن أكرمه الله بالنبوة وأمره بالتبليغ عاش مع الناس وخالطهم وغشي مجالسهم يدعوهم الى الله ويحذرهم مما هم فيه وكذلك فعل أصحابه الكرام خالطوا الناس وبثوا فيهم ما تعلموه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم والدين. والمخالطة هي المقدمة الى الدعوة. فلا يمكن التخلي عنها. بل إن هذا الوجوب أصبح أشد في زماننا من أي زمان مضى، لما غشي البشر من غاشية رهيبة قاسية من المادية الصماء السوداء التي حجبت عنهم أنوار الحق وقطعت صلاتهم بالله عز وجل، مما جعل لزاماً على كل مسلم أن يسهم في الدعوة الى الله بقدر طاقته وبأي نوع من أنواع القدرة يستطيعه وهذا يستلزم مخالطة الناس ليدعوهم الى الله.
والداعي في مخالطته للناس يقيم علاقاته معهم على أساس الحب في الله والبغض في الله. والمقصود بهذه العبارة أن المسلم لا يحب الشخص إلا لطاعته لربه ومسارعته الى مرضاته، ولا يبغضه إلا لعصيانه ومخالفته أمر ربه.

وإذا كانت المخالطة من مقدمات الدعوة الى الله تعالى، وان الداعي لا يستغني عنها كما قلنا فانه مع ذلك يحتاج الى شيء من العزلة والوحدة والانفراد بنفسه لأنه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “لا بد للعبد من أوقات ينفرد بها بنفسه في دعائه وذكره وصلاته وتفكره ومحاسبة نفسه واصلاح قلبهويفضل أن تكون العزلة في الأوقات التي ندب الشرع فيه الى نوع معين من العبادة كالاعتكاف في رمضان وقيام الليل والصلاة فيه والجلوس في المساجد انتظاراً للصلاة، فإن في هذه الأوقات والقيام فيها بعبادة الله بالصلاة والذكر والدعاء نوعاً ممتازاً من العزلة والخلوة المشروعة، وهي على قصرها ذات أثر بليغ جداً.

وإذا احتاج الداعي إلى عزلة أطول كأن يخلو في بيته أياماً لما يحسه من حاجة الى هذه الخلوة للراحة والاستجمام ومراجعة الحساب مع نفسه، وتدارك ما فاته، فلا بأس في ذلك بشرط أن يكون قصده من ذلك اعداد نفسه وتهيئتها الى المزيد من الدعوة الى الله، فيكون مثله في هذه الحالة مثل المجاهد الذي يتحول عن ميدان القتال ليشحذ سيفه أو يعلف فرسه أو يصلح رمحه أو يداوي جرحه وقلبه معلق بالجهاد ونيته الرجوع إليه من قريب فهو في جهاد في الحالتين، والاعمال بالنيات والله المستعان.
هذا وإن للداعي عزلة أخرى من نوع آخر، وهي غياب فكره عن الحاضرين مع بقاء جسمه معهم، وهذه العزلة يحتاجها كلما وجد نفسه مضطراً بين قوم سوء ومجلس غيبة وكلام باطل لا يستطيع الخروج منه، ولا تحويل مجراه الخبيث، فيغيب عنه بروحه ويبقى جسده معهم.
وهناك عزلة ثالثة للداعي، وهي مفارقة الكفرة والتحول عنهم الى غيرهم إذا بدا له أن بذل الجهد معهم عبث أو لا يجدي أو أن احتمال اجابتهم في الوقت الحاضر احتمال ضعيف أو أن أذاهم لا يطاق فيتحول عنهم الى غيرهم ويوجه جهده اليهم فيدعوهم الى الله تعالى لأن جهد الداعي محدود ووقته محدود فاذا لم يجد الاجابة عند قوم تحول الى غيرهم واعتزل الاولين بل وله أن يعتزل الجميع الى حين وقد يستأنس لهذا بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله}. وبقوله تعالى حكاية عن نبيه موسى عليه السلام {وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون} وقوله تعالى عن أهل الكهف: {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا الى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيء لكم من أمركم مرفقاً} والله سبحانه وتعالى أعلم.

ميادين الدعوة
من يدعو إلى الله سيدخل في ميادين كثيرة يتوجب عليه معرفتها فلكل معركة ميدان والجندي العارف بميدان المعركة يملك عاملاً هاماً من عوامل النصر وتحقيق الغاية التي يبغيها وميادين الدعوة تشمل :

1-العقيدة كل اعتقاداتنا وسلوكنا وشرائعنا وكل ما إلى ذلك في حياة المسلم  كلها  يجب أن تنبع من الله لا من دستور وضعي يضعه البشر كما في الغرب وهذا ما يعبر عنه بالعقيدة ويذكره القرآن والسنة باسم الإيمان
والعقيدة أول مجالات الداعية وهي جوهر رسالة الأنبياء وهدفهم الأساسي هو تعريف الناس بخالقهم ونشر عقيدة التوحيد فلا إله لهم إلا الله خالقهم. فمهمة الأنبياء تثبيت عقيدة التوحيد وتعريف الناس بصفات خالقهم وذاته قبل معرفة أحكام الشرع لذلك نرى أن جل الآيات المكية تدل على معرفة الله وتوحيده و تثبيت الايمان بالله في النفوس وهذه العقيدة هي جوهر الدعوة و جوهر الدين فسيدة آي القران كما سماها النبي صلى الله عليه وسلم هي: الله لا اله الا هو الحي القيوم …….
و العقيدة لا تكون بالتقليد بل يجب فيها الفهم و العلم ولايعني ذلك دراسة علم العقيدة ككل بل عن فهم التوحيد عن طريق قراءة القران الكريم و التدبر باياته و احكامه  فلا يدخل امرئ في باب الدعوة دون فهم آيات التوحيد في القرآن وبمكن الاطلاع على كتاب جواهر القرآن للغزالي ففيه جمعها ومن ثم فإن الايمان بالله وكتبه و رسله  و ملائكته و القضاء و القدر هي أسس الايمان فيجب الاعتناء بميدان العقيدة و تثبيت العقيدة الصحيحة  والإيمان الصحيح في نفوس الناس والتصديق بالنبي و رسالته يثبت العقيدة في النفس ومثال قوة الإيمان ما قاله أبو بكر عندما جاءه بعض من قريش ينقل له متهكماً حادثة الاسراء و المعراج فقال لهم: ان قالها فقد صدق .فهو يعلم يقيناً أنه ما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى .
كذلك التشريعات يجب أن تكون من الله وحده  فكل مايشرع  ويقرر في الدين من معاملات وشرع وفقه وأحكام مصدر التشريع والكلام فيه هو القرآن والسنة وليس العقل والحسن ما حسنه الشرع و القبيح ما قبحه الشرع  والمشرعون عليهم فهم ما قال الله و رسوله فقط فالاختلاف بينهم بعدها يكون في الفهم فقط.  نحن ورثنا الدين و تشريعاته والله حد حدوداً للمسلم و أحل اموراً و حرم أخرى مع التبيان.
اعظم مصدر من مصادر الشريعة العلم باليوم الاخر  و اهواله و البعث و الجنة و النار فبعد ثبوتها في العقول الانتقال الى نشر الدين و تبليغها للخلق . وكثرة ذكر الله و الصلة به بالصلاة و فهم القران يساعد في الدعوة
ونقطة هامة في العقيدة يجب أن نفهمها أن الأعمال مهما عظمت كالاكتشافات العلمية وكل عمل في الدنيا يجب ان يكون نيته لله تعالى فعالم الفيزياء في الدنيا عليه ان يجعل نيته لله في علمه و الا فعلمه مردود عليه ويذهب يوم القيامة هباء منثوراً

2- ميدان التشريع و الاحكام – الفتوى الايمان لا يكون بالتمني و لا بالتحلي ولا بادعاء تبني العقائد الصحيحة باللسان فليس الايمان ادعاء و بالقول فقط بل الايمان ما وقر في الصدر و صدقه العمل فالإيمان اذعان قلبي وخضوع لله تعالى والايمان الصادق يدل عليه العمل ايضا فيجب الايمان في الظاهر و الباطن الايمان بدون العمل خطر فالمعاصي طريق الكفر … فيجب ان تكون الاعمال لله و متوافقة مع شرعه لا مع مصالح الشخصية حتى لو تخلى المرء عن مصلحة أو منفعة في سبيل اتباع الشرع وتجنب الحرام ومن ترك شي لله عوضه الله خيرا منه في دينه و دنياه . الاسلام نظم كل امور الحياة مهما صغر فلكل ميزان خاص و حكم شرعي . ولذلك كان لا بد من معرفة حدود الله في الحلال والحرام ويجب على الداعية أن يتفقه في الدين لكن مع الحذر من التصدي للافتاء. بمعنى أن على الداعية ان يكون ملما بالعلم وان لم يكن يعلم  فيقتصر على  الامر بالمعروف و النهي عن المنكر  و من ثم  الوعظ و الارشاد فيقف الى دعوة الناس بالعمل الصالح و القدوة الصالحة فلا يفتي بما لا يعلم و لا يتجاوز حد علمه ..
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا.
فلا يفتي الداعية الا بما هو متيقن منه وقد كان السلف كذلك فكانوا يقولون لا ادري كالامام ابن حنبل و الاوزاعي . فالإفتاء كغيره من الأفعال له حكمٌ شرعيٌّ من وجوبٍ وجوازٍ وحُرمةٍ أو كراهيّة. فالوجوب : على من هو أهلٌ له محقِّقٌ لشروطه السابق عرضها، وفي حالتين: أ- من عيّنه وليّ الأمر مفتياً ورضي بهذا التعيين. ب- من لم يعيّنه وليّ الأمر مفتياً ولا يوجد غيره يفتي الناس. والمقصود وجوب النظر في موضوع الاستفتاء وإرادته الإفتاء، فإذا عرف حكم المسألة المسؤول عنها أفتى فيها وإذا لم يعرف قال: لا أعرف، ولا يجوز إلزامه بالإفتاء فيما يجهله. والإفتاء حكمه التحريم على أ- الجاهل، لأن الإفتاء إخبار عن شرع الله فلا يجوز ذلك إلا بعلمٍ وإلاّ كان ضلالاً وإضلالاً للغير. ب- الماجن، الذي يفتي الناس بما يشتهون فيحلّ لهم الحرام ويحرّم عليهم الحلال بالشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة إرضاء لهم واتباعا لأهوائهم. والإفتاء يقع بين الجواز والكراهيّة : للقاضي فقد اختلف الفقهاء في حكم الافتاء بالنسبة للقاضي، فقال بعضهم يكره الإفتاء للقاضي في مسائل الأحكام التي ينظرها مخافة أن يجبن عن الرجوع عما أفتى به إذا ترجح عنده وقت المحاكمة ضد ما أفتى به، قال القاضي شريح: أنا أقضي لكم ولا أفتي. ولكن للقاضي أن يفتي في مسائل العبادات كالصلاة والصيام. وقال الحنفية: للقاضي أن يفتي من لم يخاصم إليه، ولا يفتي أحد الخصمين فيما خوصم إليه.

والمفتي إنما موقع عن الله فالحكم بالحلال و الحرام من الله والمفتي يجب ان يكون متيقناً من الحكم . قال تعالى : و لا تقولوا لما تصف السنتكم الكذب هذا حلال و هذا حرام لتفتروا على الله الكذب .وقد كان كثير من الائمة يتورعون عن قول حرم الله كذا واحل الله كذا حتى لا يتعرضوا للوعيد المذكور فى الاية الكريمة فكانوا يقولون أحب كذا واكره كذا ويعجبني كذا ولا يعجبني كذا

3- ميدان التشريع و الاحكام – الاجتهاد  ومراعاة أدب الاختلاف النبي عليه الصلاة والسلام كان يجتهد بعد سؤال جبريل و بعد وفاته الخلفاء و الصحابة كانوا يجتهدون . والاختلاف بين العلماء رحمة . فجهود العلماء كثيرة  للوصول الى الاحكام فمن أجل الإفتاء بحكم واحد يجب الإحاطة بنصوص الشرع المتعلقة بهذا الحكم و يجب العلم بالقران و التعمق فيه و وفي السنة النبوية و العلم باللغة وغيره مما يسمى علوم الآلة و أصول الفقه. فمن لم يملك هذه القدرات كان جهده منقوصاً وخطؤه أكثر احتمالاً. ولامانع من الخلاف و اختلاف الأراء بين العلماء ومن المهم جداً وينبغي ألا يصل الأمر للتعصب وللحقد و الخصومات و التشدد قال تعالى: و  لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم  …ويقول عزم من قائل :إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص .

4 – ميدان الاخلاق الفرق بين اخلاق المسلمين و الغرب قال تعالى : و ما خلقت الجن و الانس الا ليعبدون . والعبادة تدخل في كل ذرة من حياتنا ( الصلاة و الزكاة و معاملة الناس و العمل ) (ان المسلم يدرك من الأجر بحسن خلقه ما لا يدركه الصائم القائم )
مثلاً من أخلاق الاسلام (من كان يؤمن بالله و اليوم الاخر فليكرم جاره ) والهدف ابتغاء مرضاة الله. والخلق القويم هدفه ابتغاء مرضاة الله فقط  وينبع من ايمان من القلب . وأخلاق المسلم مصدرها القرآن والسنة وليس ما تروجه وسائل الإعلام فالغرب تقوم اخلاقهم فقط على المصالح الشخصية ( البراغماتية )  : مذهب الذرائعية فيتعاملون الناس على اساس الذرائع للوصول الى المصالح الخاصة .

مصادر الاخلاق : اولا من نصوص الشرع (ما اتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا )، ثانيا من مصادر أخرى كالفلسفات الأخلاقية فلا بأس بها بشرط أن نأخذ ما يتفق مع ديننا و يرضي الله و رسوله وهي قليلة فمثلاً مواثيق حقوق الطفل والإنسان والحرية والكرامة لكن نرفض ما يخالف شرعنا كتشريع الإجهاض رأفة بالزانيات أو نجنح مثلاً إلى التساهل مع الشذوذ بدعوى الحرية والاولى دائماً ترك عادات الكفار ولباسهم والتشبه بهم حتى فيما لا يخالف الشرع صراحة فالحفاظ على عاداتنا وتقاليدنا وموروثنا الثقافي أولى.، ثالثا العرف بما لا يخالف نصوص الشرع فترك النبي امرا ليس حجة بل نهيه حجة مثال صنع أهل الميت الطعام للناس  للتقرب الى الله جائز اذا لم يخالف الشرع من نوع الطعام و البذخ ولكن ليس بنفس يوم الموت كما درجت العادة في دمشق فهذا يخالف أمر النبي حين وفاة جعفر حيث أمر ان يصنع طعام لهم لانشغالهم بأمر الموت

الاساليب و الوسائل الدعوية من الصفات التي  تتميز بها الدعوة ان يكون الداعية صاحب غيرة عليها و حب كامل لها مثل غيرته على زوجته و ماله و اولاده . مثلاً النبي محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم قال  لعمه :والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه.
سيدنا عمر بن عبد العزيز : كان يشعر بان  كل الناس عليهم الدعوة الى الله من رؤساء و علماء و عاملين و نشر الدين و الغيرة عليه . فالدعوة ملتصقة بالداعية كالحياة تلصق بالحي  وهو في سبيل دعوته لا يكل ولا يمل ويتبع أساليب يتنوع فيها وينوع بينها حتى يوصل دعوته لكل من يستطيع الوصول إليه ومن الأساليب التي يتبعها الداعي إلى الله

1- الحكمة في الدعوة دعوة الانبياء كانت تقوم على الحكمة في الدعوة الى التوحيد قال تعالى : كما ارسلنا فيكم رسولا يتلو عليكم اياتنا و يزكيكم و يعلمكم الكتاب و الحكمة ….. من اعظم اساليب الدعوة الحكمة  فعلى الداعية ان يخاطب الناس حسب احوالهم و بيئاتهم مثل كلام النبي مع البدوي يخاطبه بما يفهمه  ومع الحضري حسب فهمه وللأغنياء خطاب غير خطاب الفقراء مثلاً  قول النبي للفقراء الذين لا يملكون فضل أموال فطمأنهم أن هناك اساليب أخرى لاكتساب الأجر والثواب من الله اموال فقال لهم بكل تسبيحة و تهليلة و تحميدة صدقة، ومثال آخر كلام النبي مع الشاب الذي طلب اذن الزنا قخاطبه خطاب العقل اترضاه لامك او اختك او زوجته ….
ومن الحكمة التغافل فحكمة النبي مع اصحابه  ألا يحرجهم فكان يقول مالي ارى قوما يفعلون كذا دون أن يذكر أسماءهم والتغافل من أصول السيادة فالاحنف بن قيس سئل عن كيف ساد قومه فقال ان السيادة هي :  ثلثيها التغافل و ثلها حنكة والحكمة تستدعي الشدة احيانا و اللين احيانا اخرى ففي الغزوات لا سبيل للين يقول تعالى : أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ”
والحكمة لا تعني التهاون أو التنازل فقد عرض الكفار على النبي  ان يعبدوا الله يوما و الهتهم يوما فابى النبي فهنا تجب الشدة والحزم لكن من الحكمة التدرج ففي الحلال و الحرام نزلت الاحكام بالتدريج  مثلا تحريم الخمر نزل التحريم بالتكريه و الاجتناب و نزل على مراحل .. فاللين و القول الحسن مطلوب للداعية احيانا و احيانا القسوة و الشدة للحيلولة دون التنازل . فالحكمة يجب ان تكون كما تقتضي الظروف فمن خلال سيرة النبي نجد ذلك فلكل مقام مقال.
مثلاً موقف النبي في  غزوة الخندق حيث كانوا في ازمة خانقة  فكان النبي مستعداً للتنازل عن ثلث ثمار المدينة مقابل تراجع الجيش لكن ذلك لم يحدث لان الله فرج عليهم بحيل المنذر وخديعته للأحزاب. وذلك على عكس موقف النبي مع مسيلمة الكذاب حين ادعى انه رسول و يريد اقتسام الارض بين قريش و المسلمين فرفض النبي رفضاً قاطعاً لاختلاف طبيعة الخصم و اختلاف الموقف والتنازل قد يفيد في بعض الاحوال لكن دون التنازل عن العقيدة و الدين .

ومن حكمة النبي في معاهدة صلح الحديبية ان يرد النبي مؤمن من قريش و قريش لا ترد من جاء مسلما .. كانت الحكمة ان يغزو اليهود في خيبر و ان تكون قريش على حياد دون الوقوف مع اليهود
ومثال آخر عن اختلاف الأحوال باختلاف المواقف حديث النبي لايدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل  من كبر و لكن الامر اختلف في غزوة احد مع ابو دجانة  حيث مدح الرسول مشيته التي فيها خيلاء ليغيظ الكفار فقال إنها مشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع

2- الموعظة الحسنة على الدعاة ان يستجلبوا الناس بالكلمة الطيبة فالدعوة تكون بما يحبب الناس لا بما ينفرهم . فكل الانبياء كالنبي نوح عندما دعوا قومه كلموهم بالكلام اللين والله سبحانه وتعالى عندما بعث موسى إلى فرعون: اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى. ومن النماذج عن الموعظة الحسنة زمن النبي صلى الله عليه وسلم عقب حنين لما أصاب رسول الله الغنائم يوم حنين ، وقسم للمتألفين من قريش وسائر العرب ما قسم ، ولم يكن في الأنصار شيء منها ، قليل ولا كثير ، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى قال قائلهم : لقى – والله – رسول الله قومه . فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله فقال : يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار وجدوا عليك في أنفسهم ؟ قال : فيم ؟ قال : فيما كان من قسمك هذه من الغنائم في قومك وفي سائر العرب ، ولم يكن فيهم من ذلك شيء . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ قال : ما أنا إلا امرؤ من قومي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجمع لي قومك في هذه الحظيرة فإذا اجتمعوا فأعلمني ، فخرج سعد فصرخ فيهم فجمعهم في تلك الحظيرة . . . حتى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع له أتاه ، فقال : يا رسول الله اجتمع لك هذا الحي من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلالا فهداكم الله ، وعالة فأغناكم الله ، وأعداء فألف الله بين قلوبكم ؟ ؟ ؟ قالوا : بلى ! قال رسول الله : ألا تجيبون يا معشر الأنصار ؟ قالوا : وما نقول يا رسول الله وبماذا نجيبك ؟ المن لله ورسوله . قال : والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم : جئتنا طريدا فآويناك ، وعائلا فآسيناك ، وخائفا فأمناك ، ومخذولا فنصرناك . . . فقالوا : المن لله ورسوله . فقال : أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا ، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام ! ! أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم ؟ . فوالذي نفسي بيده ، لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا ، لسلكت شعب الأنصار ، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار . اللهم ارحم الأنصار ، وأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار . فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم . وقالوا : رضينا بالله ربا ، ورسوله قسما ، ثم انصرف . . وتفرقوا . .

3- الحوار و المجادلة يقول تعالى: ادع الى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن. وهذا الاسلوب في اللغة العربية يفيد أن المجادلة ليست من اساليب الدعوة الأساسية فلم يقرن الله الحكمة و الموعظة و المجادلة  فلم يقل مثلاً ادع الى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالتي هي أحسن بل قال وجادلهم ففي حال عدم نفع الحكمة و الموعظة فالمجادلة هي السبيل إن اضطر المرء إليه أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال ، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب  الجدل لا ينافي الدعوة الى الله بل اللجوء اليه بعد الحكمة و الموعظة.
وقد انعم الله على الانبياء بجدال قومهم فأعطاهم فصل الخطاب  مثلاً قال النبي محمد عليه الصلاة والسلام : لا عدوى ولا صفر ولا هامة، فقال أعرابي يا رسول الله فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيجيء البعير الأجرب فيدخل فيها فيجربها كلها قال: فمن أعدى الأول ؟؟؟ هنا قطع النبي الجدال بكلمة .

وللحوار أو الجدل آداب ومن أهمها أنه يشترط في المجادلة العلم بما يجادل به الطرفان يقول تعالى ( يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون – ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون)  وللدخول في الجدل لا بد من العلم والقناعة في الحق و الايمان الراسخ به  عن بينة والالتزام به بالقول و العمل ومن آداب الحوار الانصاف للخصم و عدم التمسك بالرأي أي الاذعان للحق فالله تعالى يقول (ان الله يأمر بالعدل و الاحسان ) وكم الآداب احترام الطرف الاخر و الادب معه مهما كان ضعيفا وابتغاء الحق الخالص سواء ظهور الحق على يديه او يدي الخصم يقول الامام الشافعي ما ناظرت احداً الا تمنيت ان يظهر الحق على يديه ولا بد من الحفاظ على الحب و الود بعد الانتهاء من الحوار لقول النبي محمد عليه الصلاة و السلام : اوثق عرى الايمان : الحب في الله و البغض في الله.
مثال من أساليب الجدل في القرآن: الكفار قالوا لماذا محمد بشر يأكل الطعام و يمشي في الاسواق فجاء القرآن بان الرسل السابقين كانو كذلك (موسى و عيسى و ابراهيم… )
و القرآن والرسول عليه الصلاة والسلام عندما يبينون الأحكام فإنهم يضعونها بطريقة محكمة لا مجال فيها للتلاعب والالتفاف إلا لأصحاب الهوى الذي يجانبون المنطق وقد استنبط العلماء قواعد من طريقة طرح القرآن والسنة للأحكام فمن القواعد مثلاً أن  الحكم يدور مع علته وجودا و عدما مثال ذلك جابي الجزية في عهد النبي فقال هذا لكم و هذا اهدي الي  فقام النبي و قال مالأقوام نرسلهم للجزية ويقول هذا لكم و هذا اهدي الي افلا يجلس في بيت امه و ابيه فلينظر ايهدى اليه ام لا فبين الرسول  الرشوة و حرمتها وقطع الطريق على الجدال فيها وفرق بينها وبين الهدية
وقد اهتم علماء المسلمين كالغزالي في علم الحوار و الجدل أو ما عرف بعلم الكلام ووضعوا له ضوابط وقواعد مستمدة من القرآن  لكن نكرر أنه في الدعوة لسنا مضطرين للحوار بل الحكمة والموعظة أولاً  وهي تكفي في غالب الأحيان  اما في حال الخصومات و الجدل مع اعداء الاسلام فلابد من اتقان علم الجدل. ونقطة هامة هي وجوب الود و الحب في الحوار بين المسلمين عند اختلاف آرائهم .

4- القدوة الحسنة القدوة نوعان فهناك قدوة عامة (المطلقة) وهي الانبياء و الرسل كالنبي محمد عليه الصلاة والسلام لأنهم معصومون كما يقول تعالى  (ان هو الا وحي يوحى ) ونحن مأمورون باتباعهم  يقول تعالى (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كانوا يرجو الله و اليوم الاخر ) وهناك القدوة المقيدة : (المقيدة بشرع الله تعالى ) كالاشخاص الصالحين و رجال الدين الذين التزموا بالدين وشرع الله ليس لهم عصمة كالانبياء بل هم عرضة للوساوس والأهواء فهؤلاء نقتدي بهم ما التزموا بشرع الله فإن أخطؤوا ولا أحد معصوم فلا نقلدهم تقليداً أعمى والقدوة انما  تكون بالفعل لا بالقول فقط فيجب قرن الفعل مع القول (يا ايها الذين امنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولون مالا يفعلون ) .
ومفهوم القدوة الحسنة يمتد إلى ما يعرف مبمفهوم البيئة السليمة فمنذ بدء الدعوة اتخذ النبي عليه الصلاة والسلام دار الارقم لاجتماعه باصحابه وعند دخول المدينة أول ما عمله كان بناء المسجد وذلك بهدف ايجاد البيئة السليمة فينبغي أن يحرص كل منا على إيجاد بيئة سليمة للابناء ويضمن لهم الصحبة الصالحة ويسعى لتلبية رغباتهم وحاجاتهم  بما يرضي الله .

وسائل الدعوة

مقدمة لكل شيئ وسيلة والوسيلة الى الدعوة يجب أن تكون مشروعة فالغايات في الإسلام لا تبرر الوسائل فمهما كانت الوسيلة يجب ان تكون جائزة شرعاً
المقياس الاول للوسائل : ان يكون مشروعا في دين الله فلا يجوز اتباع وسيلة محرمة (الكذب مثلا )لا تصلح وسيلة للدعوة .لحديث رسول الله اربع من كن فيه كان منافقا اذا حدث كذب …إلخ فالغاية تبرر الوسيلة لا تنطبق على الدعوة الى الله فلا بد من عرض الوسيلة على ميزان الشرع فاما ان تكون واجبة او مندوبة او مباحة .
المقياس الثاني : الوسيلة قد تكون مختلف فيها بين العلماء بين حلال و لا حرام يجب ان يكون الاجماع الكامل انه حرام فلا ننكر على صاحبه ان كان فيه شك . مثلا موضوع التصوير هو مختلف فيه .
المقياس الثالث : بعض الوسائل يختلط فيها الحلال بالحرام  هنا اذا استطعنا ان نتعامل معها بتنقيتها من الشوائب بما لايخالف دين الله فلا مانع من اخذها مثال كالنبي محمد عليه السلام  شبه نفسه بالنذير العريان عندما جاءه الوحي .. قال الرسول مثلي و مثل ما بعثني الله به كمثل الرجل العريان …… فعندما  نزلت الاية  و انذر عشيرتك … فصعد الى الصفا و نادي باعلى صوته واصباحاه (من دون التعري ) أرأيتم لو اني اخبرتكم اني جيشا في الوادي ….. فانني لكم نذير بين يدي عذاب شديد فاتخذ الوسيلة بعد ان صفاها من الحرام و هي  التعري  .

من وسائل الدعوة الخطابة و القصص اذا علم الداعية ان الوسيلة ترضي الله و ليس فيها مخافة او مصلحة فهي خير فهناك وسائل متجددة مع الزمن المهم ان لا تتحول الوسائل الى مهنة. الخطابة وسيلة و ليس شرطا ان يكون كل داعية خطيبا . ويجب الا تتحول الخطابة مهنة فهو يخاطب العقل و القلب معا فقد يغالي الداعية و يخرج عن الصدق فيكذب ويخترع وقائع لم تحدث ويحكيها كأنها حدثت عن كرامة مثلاً أو تفريج حصل لرجل صالح أو وقائع أخرى ليلين قلوب الناس ويمرر فكرة معينة و هذا خطير على الداعية . أسلوب الخطابة من أهم الوسائل فالانبياء استعملوه في دعوة قومهم . وقد ورد أن النبي محمد عليه الصلاة والسلام قال عن شعيب: ذلك خطيب الانبياء .
ومن الأساليب ايضا اسلوب القصة  لكن عرضها بطرق قديمة دون تجديد قد لا تؤثر شيئاً فتجديد القصص وربطها بالواقع الحالي المعاش مطلوب مع بيان أنها قصة وليست واقع. ولا بأس بترجمة القصص الأجنبية ذات المعاني الجميلة والقيم والمبادئ للعربية لكن هناك ضوابط و قواعد كذلك بناء حبكات قصصية من حوادث تاريخية لتشد القارئ وتوصل إله قيماً وأفكاراً دعوية لا بأس به لكن بعض الناس أساء بقصد أو بغير قصد فجرجي زيدان مثلاً تعرض للقصص التاريخية لكن لإضافة عنصر التشويق كان لديه عقدة غرامية فكان يختلق امراة بالقصة التاريخية لم تكن موجودة في القصة الحقيقية والخطورة هنا تكمن في تزييف بعض وقائع التاريخ الاسلامي واضافة الغرائز و العواطف و الشهوات حيث يمكن عرض مواضيع العلاقات العاطفية لكن بصورة محترمة من دون اثارة الغرائز وقد تناول القرآن مواضيع الجنس لكن بأسلوب راق لا يثير الشهوات فقال تعالى : و لما بلغ اشده و استوى اتيناه حكما و علما و راودته التي هو في بيتها عن نفسه ……  وصف طاهر .

وأخيراً نؤكد أنه يجب الا تنقلب وساءل الدعوة الى الله إلى مهنة فيطغى الكسب على الهدف الدعوي

مشكلات الداعية
الدعاة ليسوا معصومين كالانبياء فقد يقعون في اخطاء و مشكلات لكن عناية الله تحيط بهم وتحميهم إن اعتصموا بالله وحافظوا على صلتهم به واستغفروا الله عم يقعون فيه من أخطاء. ويمكن تقسيم مشكلات الداعية إلى صنفين : صنف تنبع من نفس الداعية و بيئته و صنف ابتلاءات خارجية ومن الاعداء .

ملاحظات عن المشكلات :
1- يجب اشغال النفس بمعالجة الداء فاذا وجه نقد يجب تقويم الخطأ .
2- الداعية مسؤول أكثر من غيره فإذا غض الطرف عن خطأ فإنه يقع في خطأ جسيم فهو قدوة فكما صوابه قدوة ايضا خطؤه قدوة قال السلف : ذلة العالِم  (كسر اللام ) هي ذلة العالَم (فتح اللام ) والاعتراف بالخطا فضيلة و لا غبار على الداعية أن يخطئ مع ضرورة الاعتراف بالخطأ.
قال النبي : يؤتى الرجل يوم القيامة فتندلق امعاءه فيأتي اهل جهنم و يسألونه ما بالك الم تكن في الدنيا تنهانا عن المنكر و تامرنا بالمعروف قال لقد كنت انهاكم عن المنكر و اتيه و آمركم بالمعروف و لا آتيه …. فالداعية في موقع خطر كما هو في الخير ايضا في الشر .
3- الخطا مهما يكن لا بد من معالجته من  صغره (خير الخطائين التوابون) فمعالجة الاخطاء هي دعوة الى الله ايضا (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و لهم اجر عظيم)
4-من طبائع البشر ان لا يرى الانسان الخطا في نفسه بل في اخيه  فالداعية عليه ان يرى نفسه و اخطاءه او ثم يتجه الى الناس ,لكل مصيبة سببان : ظاهر و باطن فالظاهر على الانسان معالجته اما الباطن فلابد منه و هو قول النبي : ما من مصيبة الا بذنب (وما اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم و يعفو عن كثير.)

من مشاكل الداعية الداخلية
1-  العجب صاحب العجب هو شخص مبتلى فالعجب مرض خطير قال النبي ثلاث مهلكات: شح مطاع و هوى متبع و اعجاب المرء بنفسه . والعجب هو الاعجاب والافتخار بالنعمة و كانها من صنعه و ليست من فضل الله على المرء. ويجب أن يعلم الداعية اذا وجد حب الناس و تكاثرهم حوله و مدحهم له يجب أن يعلم ويذكر دوماً أن هذا فضل من الله عليه وليس من عند نفسه لذكاء أو ملكات خاصة.
مثالين متعاكسين في حياة النبي: الاول في غار ثور مع ابو بكر عندما خاف أبو بكر وتقطعت بهم الأسباب فقال له النبي في مثال واضح على فهم معنى التوكل وأن الفضل لله: ان الله معنا والثاني يوم حنين فقد أعجب الصحابة بالعدد فكادوا يخسرون لولا دعاء النبي  الله لنصرهم وقوله شاهت الوجوه واستبساله مع الأنصار والمهاجرين وقيادته الحكيمة.

2- طلب الدنيا بالدين مطب يقع فيه الدعاة ان يتطلعوا الى نعيم الدنيا و متاع البشر فهم ليسوا ملائكة بل هم بشر لكن يجب أن يحاولوا أن يكونوا متنزهين. ليس عيباً على الداعية السعي وراء الرزق و لكن العيب و العار و جريمة في حق الدعوة ان يستعمل الدعوة والعلم وسيلة من وسائل الدنيا و مصيدة للرزق فيجب أن يتأسوا بالانبياء ( و ما اسالكم عليه من اجر ان اجري الا على رب العالمين ) وهذا لا يعني تحريم الرواتب للقضاة والمدرسين الشرعيين فذلك ليس عيباً بل المقصوود مد العين على رزق الناس و يقصد ايضاً ألا ياخد مقابل دعوته شيئاً من الناس بل يعلم ان ما يقدمه للدعوة هو اغلى في ميزان الله من متاع الدنيا . النبي محمد كان يرى هذه الاية (وما اسالكم عليه…. ) ثم انزل الله عليه ( و لا تمدن عينيك الى ما متعنا به ازواجا منهم زهرة الحياة الدنيا  و رزق ربك خير و ابقى ) فالنبي كان في المدينة عنده كل متاع الدنيا  فهو قائد دولة كبيرة و لكنه فضل حياة الفقير يجوع يوم فيصبر و يشبع يوم فيشكر . فالداعية واجب عليه التعب و السهر في سبيل الدعوة و لامنة له على الناس . اذا كان رزق الداعية قليل فليصبر و ليستعف  و الله سيرزقه . قال النبي محمد :  و من يستعف يعفه الله و من يستغن يغنه الله و من يتصبر يصبره الله و ما اعطى الله عز وجل خلقه عطاء اوسع من الصبر ….

3- الاغترار بالجمهرة و الكثرة الدعوة الى الله لا تهمها الكثرة او القلة فقط الهدف رضا الله لاي داعية او جماعة اسلامية , فالكثرة او القلة من الله .و هي ليست  مرتبطة بالاخلاص النبي شعيب قال لقومه و اذا كنتم قليلا فكثركم . والنبي محمد قال  :عرضت علي الامم فمر بي النبي و معه العصابة و نبي معه الرهط و مر بي نبي و معه الرجل و الرجلان و نبي مامعه احد . فالعدد لا يدل على الاخلاص او يؤثر على الدعوة  . فعلى الدعاة في كل حين ان يلتفتو الى حسن التربية و جودة الصياغة و لا يلتفتون الى العدد . وقد امرنا الله ان نتطلع الى حسن العمل و طيب الانتاج ( قل لا يستوي الخبيث و الطيب و لو اعجبك كثرة الخبيث ) وفي خطابه الى النبي تحذير من الكثرة : و ان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله .
خطر الكثرة العجب و ايضا فتنة للمتبوع و ذل للتابع .

مشكلات الداعية الخارجية
1-أعداء الدعوة
اعداء الاسلام عديدون وموجودون منذ القدم منذ بداية البعثة فهو ليس جديداً الآن وقد مرت الدعوة الاسلامية والأمة الاسلامية بفترات انحدار وابتلاءات شديدة على مر العصور وهو ابتلاء من الله تعالى فلا بد للدعاة من الرجوع الى القرآن و البحث عن اسس البلاء و كيفية التخلص من هذا البلاء. و الابتلاء للأنبياء والدعاة إلى الله موجود على مر العصور فلا يظنن احد ان المكر من الاعداء جديد على الدعوة الانبياء و الرسل مثال النبي صالح (وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون ….) (و مكروا مكرا و مكرنا مكرا و الله خير الماكرين) . وتكرر البلاء على الانبياء مذكور في القران فقد تعرض الأنبياء لكل الوان البلاء وفي سيرة النبي محمد الشيء الكثير من ذلك ففي رحلة النبي مع عمه في تجارة الى الشام  و هو صغير عندما علم بحيرة الراهب انه نبي طلب الى عمه العودة به لان اليهود اذا عرفوه قتلوه … كما أن محاولات المشركين لقتل النبي متعددة ( رجال من عدة قبائل قتله ليتفرق دمه ).
أيضاً اليهود في المدينة  حاولوا قتله بالحجر و جاء جبريل فنبهه . وفي غزوة خيبر وضع السم في الشاة
ثم الكيد بالخلفاء و الصالحين و الى الآن مازال ذلك و لكن الله يحمي هذه الدعوة ويقيض لها رجالاً يذودون عنها ولكن ذلك يجب ألا يدعونا للكسل بل للتيقظ الدائم لنكون ممن ينال شرف الدفاع عن الدعوة يقول تعالى (يا ايها الذين امنوا خذوا حذركم). ومن المأثور عن سيدنا عمر قوله  لست بالخب و لا الخب يخدعني . وماتزال الوان المكر تتجدد كل يوم .
سيدنا خباب جاء الى النبي يعرض الوان العذاب من قريش فكان يطرح على جمر فقال الا تسنتصر لنا فقال النبي إنه كان فيمن كان قبلكم من يمشط بأمشاط من حديد ما بين لحمه وعظمه لا يصده ذلك عن دينه،والله ليسيرن الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون. ومن صور المحاربة مقاطعة بني هاشم اقتصاديا كما يفعل أعداء المسلمين اليوم بفرض العقوبات الاقتصادية على بعض الدول لإجبارها على سياسات معينة . ومن طرق محاربة الدين اغراء المسلمين بعرض مفاتن الدنيا كي يتخلوا عن الدين عرض عظماء قريش مالا و نساء و الجاه على النبي فرفض و قال لا اريد الا كلمة لا اله الا الله و تخلعون عبادة الاصنام .
ومن القصص المشهورة عن قوة الإيمان قصة عبد الله بن حذافة السهمي عندما حاول ملك الروم أن يعرض عليه ابنته و ملكه بعد ان  جاء بالزيت فقتل اصحابه امامه ثم طلب منه تقبيل راسه فقبل بشرط اطلاق المسلمين . وفي غزوة الاحزاب حينما تجمعت قوى الكفر من قريش و غطفان و سليم و مرة و كثير من القبائل و ايضا اليهودة و المنافقون المتغلغلون في بيوت المسلمين لابادة المسلمين وصفها الله تعالى (اذ جاؤوكم من فوقكم ومن اسفل منكم …..)
ومن وسائل الحرب المستشرقون الذين منهم من درسوا القرآن و السنة من أجل تحطيم الاسلام و استمروا في فهم دقائق الاسلام من اجل اكتشاف نقاط الضعف فيه ليعملوا على تضخيمها  ولقد امتلأت المكتبات بمخطوطاتهم فهم اصحاب صبر و دأب في الخوض بكتب المسلمين بعد هذا الجهد ايقنوا ان جهودهم باءت بالفشل لان المسلمين يتنبهون لهم و ما من شبهة طرحوها الا قيد الله من العلماء من يرد عليهم
وفي السنوات الاخيرة اتبع أعداء الدين اسلوباً جديد ببعث نفر من ابناء المسلمين ممن افتتنوا أو باعوا دينهم بدنياهم واستمالهم الأعداء بالمال أو بالأفكار الخاطئة وعن طريق هؤلاء امتلأت مكتبات المسلمين بنمط جديد من الكتب بحجة الدفاع عن الدين بتخليصه من سلبياته كما يقولون لكنهم يعمدون تشويه المبادئ، مثلا تشريع الحدود كقتل القاتل أو قطع اليد أو الرجم فيقولون كيف نواجه الغرب مع وجود هذه الحدود. ولكن دورهم بقي محدوداً فالاسلام أقوى من تفاهاتهم وجهالاتهم وشبهاتهم ولا يقبل مسلم حق التخلي  عن الشرائع فهذا الدين من الله و ليس من البشر و هو أعلم بما فيه خير لنا فالاسلام يركز على تربية النفوس و تقويمها بما فيه شرع الله الرغبة الجنسية لها الزواج اما الزنا فهنا اعتداء و عار  و يجب الحد.
والحد ليس اعتباطياً بل جريمة الزنا لها قواعد للحد   فيجب ان يقر الزاني انه زنا او 4 شهود يرونه فعلا ). ولذلك لم يطبق هذ الحد إلا نادراً وقصة مغيرة بن شعبة معروفة عندما اتهمه 4 شهود انهم راوه و هو يزني فجاء عمر رضي الله عنه بهم الى المدينة المنورة لسماعهم و جاء بالمغيرة فطلب المغيرة ان يجلس كل شاهد و يستمع اليه على حدا فوجد عمر اختلاف الكلام و الشهادة فجلدوا لقذفه ) . فهؤلاء الموتورون وإن ادعوا أنهم منا ودافعهم الدفاع عن ديننا إلا أنهم يهدفون لتشويه الاسلام وايقاع الشر به .
شبهة قتل المرتد ود كثير من اهل الكتاب لو يردونكم من بعد ايمانكم  كفارا حسدا  من عند انفسهم من بعد ما تبين لهم الحق . الاعداء يعملون بكل الوسائل لتحطيم الدين وفي العصر الحالي المعركة بلغت أوجها وفطرة البشر أن يتحروا عن مكامن القوة في خصومهم ويعملوا على إضعافها وقد قوى الله هذه الأمة بنعمة الاسلام الذي هو دين صلب متكامل وليس بالسهل وبعد فشل الاساليب التقليدية في محاربة هذه الأمة عبر العصورلجأ أعداء الأمة إلى أسلوب أشد مكراً وهو ان يبعثوا أناساً من جلدتنا وانفسنا ويتسمون باسماء إسلامية فيصدرون كتبهم و مؤلفتاهم تحت اسم الاسلام يدافعون عن الدين بالظاهر  ولكن بمكر و خبث  في الباطن فبدأت تظهر كتب لمفكرين بأسماء عربية وإسلامية وبلغة عربية تناقش قضايا الشرع (مثلاً الحدود و حكمة الاسلام فيها) ومن القضايا التي انشغل بها هؤلاء وأقاموا حولها الشبهات قضية قتل المرتد في الاسلام وهذا يناقض حسب زعمهم مبدأ الحرية الذي ينادي به الاسلام (لا اكراه في الدين ) فلماذا شرع الاسلام قتل المرتد ؟
والرد على هؤلاء أن هذا الحد حد ديني والامر له ارتباط باستقرار الدولة الاسلامية فكل دولة لها قوانين  فقد تعاقب بالاعدام في حال الخيانة العظمى فلماذا ينتقد حد قتل المرتد و قد قامت دولة الاسلام قامت على اساس الدين فقط فمن بنود قوانينها قتل المرتد عن دينه فلم يجبر احد على اعتناق الاسلام ابداً بل بالحكمة فاذا أسلم المرء طواعية فهو ملزم بعدم الارتداد لانه يشكل فرقة وطعنة للدولة الاسلامية .
إضافة الى ذلك يشنعون ويفترون أن الحد يطبق فوراً فور ان يرتد دون حرية الراي و الحوار و النقاش وهذا كذب لأن المرتد يناقش ويحاور ويستتاب وتقام عليه الحجة ثم عندما يكون متعنتا  متكبراً يطبق عليه قانون الله ومن القصص الشهيرة والمرجعية ماحدث في أحد الغزوات ايام عمر رضي الله عنه فقد ارتد مسلم فقتلوه دون علم عمر فقال عمر اللهم اني بريء مما فعلوا الا آويتموه  و أطعمتموه وعرضتم عليه الاسلام .

2-فهم بعض الجماعات الاسلامية لدار الحرب و دار الاسلام والخروج على الحاكم مشكلة من بين صفوف الدعاة تتحول الى مشكلة يستغلها الاعداء و يمكرون بالاسلام و هي جهل المسلمين و الدعاة بدينهم و بالاسلام و فقهه . فيجب على المرء أن يتمكن في الفقه في الأمور التي سيعرض في دعوته فيحذر من التحدث في شيء دون علم.
ومن مظاهر الجهل أن وجدت طائفة في الاسلام تكفر المسلمين عامة و تجعل بلاد المسلمين اليوم دار حرب باعتبار المجتمعات جاهلية لا تحكمها القوانين الشرعية.  ومنبع الجهل هنا أنهم اخطؤؤا في تعريف دار الاسلام و الحرب فطنوا ان دار الحرب هي دار فيها معاصي و لا يشرع فيها حكم الله و لا تقام الحدود فاعتبروها دار حرب وبناء على ذلك اعتبروا ان اموالها و كل شي فيها مباح كغنائم فهم يستبيحون بذلك لانفسهم الاعتداء على اموال المسلمين و دمائهم و هذا جهل و ضلال شديد . لو رجعوا الى كلام الفقهاء لوجدو ان دار الاسلام هي كل دار حكمها الاسلام و فيها الحدود و الشرائع و العبادات فهي بذلك دار السلام ففلسطين و اسبانيا هما دار اسلام لان الاسلام حكمها و جرت احكام الله فيها و اليوم يمكن اقامة الشرائع و العبادات و لن يتخلى الاسلام عنها ابدا . فهؤلاء ظنوا ان دار الحرب هي التي لا يقام فيها شرع الله و لو كان سكانها مسلمين او حكامها من المسلمين فهي دار حرب و كفر ولو رجعوا الى زمن  النبي لوجدوا أنه لم يقم حد الا باذن النبي فالحدود ليست سهلة فيجب اذن الامام اي الحاكم او القاضي المسلم . هؤلاء اخطاوا في التعريف  لدار الاسلام والحرب و في اقامة الحدود من انفسهم .

هذه المشكلة وإن بدت داخلية بين صفوف المسلمين واساسها الجهل لكنها تتطور و تكبر حتى يستغلها اعداء المسلمين الخارجيين للمكر بالدين كما حدث في أحد البلاد المسلمة التي بدأت فيها الأمور هكذا ثم تطورت لتشيع فيها الفوضى وتذبيح الأطفال والنساء وغيرها من الأفعال التي لا يقوم بها مسلم بحال من الأحوال لكنها نار الفتنة التي أذكاها الاستعمار.

ومن القضايا الأخرى الشائكة هل يجوز الخروج على الحاكم ؟ والجواب في قوله عليه الصلاة والسلام ن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف فقال لا ما أقاموا فيكم الصلاة وغيرها من الأحاديث الكثيرة التي فصلت في عدم جواز الخروج على الحاكم مهما جار وفسق إلا في حال الكفر البواح كما في أيام الاستعمار وإلا أدى ذلك إلى مشاكل تبدأ داخلية وتنتهي بتدخل الأعداء وإذكاء الفتن وليس سبب ذلك إلا الجهل بالفقه

حلول المشكلات
1- العلاج بالتقوى و الصبر العدو الوحيد للانسان هو الشيطان اما باقي الاعداء فهم مؤقتين وعلى أعينهم غشاوة من الشيطان وأمراض القلوب. أول خطوة في طريق مجابهة الأعداء ومواجهة المشكلات هي التوكل على الله و التعرف على أخلاق العدو من اجل التعامل معهم و مجابهتهم ولا بد من صفتين اساسيتين للداعية التقوى و الصبر كما في قوله تعالى : وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور ( ) إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط ( 120 ) ومن الأمثلة في القرآن ايضاً صبر سيدنا يوسف فمن الجب إلى المكر و كيد النساء فالسجن يقول تعالى في آخر سورة يوسف (انه من يتق  و يصبر فان الله لا يضيع اجر المحسنين )
والمؤمن يؤمن أن الله يهيئ الاسباب للمؤمن الصابر و المتقي  ليخلصه من اي مأزق و ازمة و شر . ومن أمثلة إلهام الله لعباده بالجواب المنجي قصة أبو بكر الباقلاني و ملك الروم حيث سأله ملك الروم ما بال زوجة نبيكم تتهم بالزنا فقال : امراتان في القران اتهمتا و الله برأهما هما زوجة النبي و كانت مع زوج وبلا ولد فبرأها الله ومريم كانت بولد و بلا زوج فبرأها الله  فبهت الاساقفة و هذا بفضل الله . فلابد التقوى و الصبر الى جانب العلم و التبصر للداعية .

2- علاج المشكلات بالاخلاص و وحدة الكلمة الاخلاص لله تعالى هو لب الدعوة فعلى الداعية الاخلاص لله دون شائبة فالله يتولى  الداعية المخلص له فييسر له سبل الحياة جزاء للاخلاص، والله لا يقبل لنفسه شريكاً فلا يجوز خلط مصلحة شخصية بالدعوة إلى الله. والداعية يجب ان لا يخلط بهدفه الأسمى الذي هو الدعوة إلى الله لا دنيا و لا مال و لا جاه بل عليه أن يتجرد من ذلك كله ويخلص لله ويهدف للوصول الى قلوب الناس و هدايتهم لا أموالهم أو جاه يصيبه. كقوله صلى الله عليه وسلم عندما عرض عليه عمه المال والجاه فقول قولته الشهيرة : والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه وعلى الداعية أيضاً أن يحرص كل الحرص على الالتزام بطاعة الله و تقواه فهو قدوة للناس في اعماله و اخلاقه.
ومن الأمور الهامة للتغلب على المشاكل التي تواجه الدعوة ضرورة  لزوم وحدة الصف يقول تعالى ( و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم ) ويقول عز من قائل : (ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا  كانهم بنيان مرصوص ) وللأسف فإننا اليوم نرى دوما الخلاف بين الأفراد والجماعات على اوامر و مسائل  ليست ضرورية او مهمة وهذا لا يعني أختلاف الأراء الذي هو من سنة الكون فقد كان السلف الصالح يختلفون في آرائهم  و لكن بلا بغض او كره فهم اخوان كما يجب أن يكون المسلمون دائماً إخواناً

Advertisements
هذا المنشور نشر في مقالات المفاهيم العامة وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s