جوانب التبليغ والإمامة والقضاء في شخصيّة النبيّ عليه الصَّلاة والسَّلام

جوانب التبليغ والإمامة والقضاء في شخصيّة النبيّ عليه الصَّلاة والسَّلام


د. محمد سعيد رمضان البوطي

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العددان : 11 – جمادى الآخر 1403 نيسان “أبريل” السنة الثالثة و 12 – رمضان 1403 تموز “يوليو” 1983

مما لا ريب فيه أن الشريعة الإسلامية، إنما جاءت لإصلاح حياة الفرد الإنساني وإسعاده، ولتنظيم المجتمعات الإنسانية وتحصينها بسياج الألفة والترابط.‏

فلا جرم أنها تشمل سائر الأحكام المتنوعة التي تفي بتحقيق هذين الهدفين.‏

بل إنك لتجد أثر هذين الهدفين بارزاً في انقسام مجموع الأحكام الشرعية إلى قسمين:‏

قسم يعنى بتربية الفرد وتنشئته نشأة سوية فيما يتعلق بقواه العقلية، وملكاته الوجدانية ونوازعه الأخلاقية.
وقسم آخر يعنى بتنظيم بنيان المجتمع الإنساني السليم، بدءاً من إيجاد نسيج التعاون بين آحاد الناس وفئاتهم، إلى ربطهم بالقضاء الذي يفصل في خصوماتهم ويحرس ميزان العدل فيما بينهم؛ ثم إلى إقامة مجالس الشورى التي يعهد إليها بحل معضلاتهم؛ ثم إلى ربط ذلك كله بالقيادة الرشيدة التي لا بد منها، والمتمثلة فيمن قد نسميه الإمام الأعلى أو رئيس الدولة أو خليفة المسلمين.‏

ومما لا شك فيه، أن كلاً من القرآن والسنة (وهما المصدران الأساسيان لأحكام هذه الشريعة) يتكفلان برسم المبادئ والسبل إلى تحقيق ذلك كله، إذا طبق كل منهما على وجهه السليم.‏

ومعنى ذلك أن السنة النبوية التي هي مجموع ما صح من أقوال النبي وأفعاله وإقراراته، تعكس كلاً من الصورة النظرية والنموذج التطبيقي للمجتمع الإسلامي الذي تتكفل الشريعة الإسلامية بتحقيقه.‏

فهو عليه الصلاة والسلام، إذ يعلم الناس كيفية الصلاة، يشرحها لهم على مرحلتين: أولاهما: البيان القولي، وذلك بتعليمه وإرشاداته النظرية، والثانية التطبيق العملي وذلك عندما يصلي أمامهم فعلاً ويلفت نظر الناس إلى كيفية صلاته قائلاً لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي. وهو إذ يعلمهم مناسك الحج، يسير بهم إلى ذلك أيضاً خلال مرحلتين: أولاهما البيان القولي والثانية السلوك التطبيقي، منبِّهاً الناس إلى كيفية حجه، قائلاً لهم: خذوا عني مناسككم.‏

وهو إذ يعلمهم أصول القصد في العبادات، وسبل التنسيق بينها وبين حقوق الإنسان، يشرح لهم ذلك بأقواله ووصاياه النظرية أولاً، ثم يتجه إلى تطبيق تلك الأقوال والوصايا عملياً، وينبه الناس، من خلال ذلك إلى ضرورة التأسي به قائلاً “أما والله إني أخشاكم لله، وأتقاكم له. ولكني أصوم وأفطر وأصلي، وأرقد، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني”(1) وواضح أن المراد بالسنة هنا السنة العملية.‏

ومثل ذلك سائر أحكام الشريعة الإسلامية، سواء منها ما يتعلق بإصلاح الفرد، وما يتكفل بتنظيم المجتمع. فلقد بلَّغ رسول الله أصحابه وعلمهم ذلك كله، أولاً على صعيد البيان القولي، ثم أراهم كيفية تنفيذها على الصعيد العملي.‏

وإنما يعنينا في هذا البحث أن نقف عند أهم الأحكام المتعلقة بتنظيم المجتمع الإسلامي وإشادة بنيانه، وكيف أنه ( كان يبينها عن طريق الممارسة والسلوك. فلسوف نتنبه في أعقاب ذلك إلى أمور هامة توضح لنا السبيل الأمثل إلى تطبيق سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وتحذرنا من فهم خاطئ يتصور أصحابه أن التطبيق الحرفي دائماً لسائر أقواله والتأسي الآلي بسائر بأفعاله، هو الاتباع المطلوب لسنته عليه الصلاة والسلام.‏

أحكام الإمامة والقضاء دعامتان أساسيتان في المجتمع الإسلامي‏

إن من أهم الأحكام التشريعية المتكفلة بإقامة المجتمع الإسلامي وتنظيمه، تلك التي قضى الله تعالى بأن يمارسها الأئمة والحكام، ليسوسوا بها شعوبهم، ويضمنوا بها سلامة مجتمعاتهم وأمن أوطانهم، وليحرسوا بها صرح العقائد والأخلاق، كي لا يطوف بها خطر أو يتسلل إليها كيد.. وإنما سبيل بيانها لهم بالممارسة والتطبيق أن يوحي إلى رسوله ( بتأسيس أول مجتمع إسلامي سليم للناس، بعد فوضى الجاهلية في الجزيرة العربية وطغيان الحكام فيما حولها من البلاد الأخرى، ثم يلزمه بأن يتولى سلطة الإمامة والقيادة العليا فيه، ليريهم من خلال ممارسته لهذه السلطة كيف ينهض الحاكم الأعلى في أمته بتنفيذ الأوامر الإلهية التي عهد إليه برعايتها وتطبيقها فيما بينهم على أتم وجه، وكيف يراعي الحكمة والسياسة الشرعية في معالجة ما قد ينجم من مشكلات داخل مجتمعه أو ما قد يقبل إليه من ذلك، من خارجه.‏

وإن من أهم الأحكام المتكفلة بتنظيم هذا المجتمع أيضاً، تلك التي تتعلق بالقضاء وأصوله وآدابه، وتضمن سبيل الوصول بالمتخاصمين إلى الحق والعدل، وإنما سبيل ذلك أن يشرحها لهم رسول الله ( بالممارسة والتطبيق بعد أن يوضحها لهم بتعليماته وأحاديثه القولية الكثيرة. وإنما يتحقق ذلك بأن يتولى أمامهم سلطة القضاء ويجري أحكامها من خلال وقائع حية ومشكلات قائمة، يحلها لهم عن طريق الرجوع بها إلى أوامر الله تعالى وأحكامه.‏

فمن هنا كان رسول الله ( (وهو يريهم من نفسه القدوة الصالحة طبقاً لما أمر به الله تعالى) يجمع إلى جانب تبليغه أحكام الله تعالى وأوامره إلى الناس كافة، كلاً من سلطتي الإمامة الكبرى والقضاء.‏

نعم، إن السنوات الثلاث عشرة التي أمضاها عليه الصلاة والسلام في مكة، يبلغ فيها الناس جذور الشريعة الإسلامية، ويبصرهم بأصولها الاعتقادية فقط، إنما كانت سنوات تأسيس، فلم يكن للإسلام خلالها مجتمع ولم تكن له دولة. لذا فقد كان النبي ( طوال تلك الحقبة مجرد مبلغ عن الله عز وجل، يبلغهم جوهر المبادئ والتعليمات الأساسية، ويلقى بها آحاد الناس معلماً ومرشداً وناصحاً.‏

فلما هاجر مع أصحابه إلى المدينة المنورة واستقر به المقام فيها، ودخل أهلها الإسلام واصطبغوا بأصوله ومبادئه الأساسية الكبرى، تكونت بذلك أول دار للإسلام بعد بعثته عليه الصلاة والسلام وتهيأت لتطبيق نظمه الاجتماعية عليها. فاستكتب عليه الصلاة والسلام أصحابه (الوثيقة) التي تضمنت تنظيم علاقات المسلمين بعضهم مع بعض، وعلاقاتهم مع من يساكنونهم ويجاورونهم من اليهود. كما تضمنت الالتزام بالأصول العامة للنفقات المالية والسبيل التي شرعها الله إلى حل كل ما قد يحدث بين الناس من خصومات واشتجار، كما تضمنت مسؤولية النبي عليه الصلاة والسلام عن رعاية الأمن والطمأنينة، وعن تطبيق سائر الأحكام الإلهية الكفيلة بتحقيق ذلك كله، وأوضحت واجب المسلمين في اتباع أوامره والانقياد لحكمه.‏

وتحل هذه الوثيقة محل ما يسمى اليوم بالدستور، وهي تتألف مما يقارب تسعين بنداً، صيغت كأحدث ما يمكن أن يصاغ دستور من أحدث الدساتير العصرية اليوم.‏

تبدأ هذه البنود بقوله عليه الصلاة والسلام:‏

“المسلمون من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أمة واحدة من دون الناس”(2) وتختم بقوله:‏

“من خرج من المدينة آمن، ومن قعد آمن، إلا من ظلم وأثم، وإن الله على أصدق ما في الصحيفة وأبرّه، وإن الله جار لمن بر واتقى”(3).‏

لقد كانت هذه الوثيقة إذن، إيذاناً بقيام أول دولة إسلامية في المدينة المنورة، بعد فترة من الرسل، ذات مقومات كاملة لحقيقة الدولة. فمن الذي يتولى رئاستها؟ ومن الذي تكون إليه السلطة القضائية فيها؟‏

من البداهة بمكان، أن دولة رسول الله أشرف على إنشائها، لا بد أن يكون هو رئيسها، ولا بد أن يكون هو صاحب السلطة القضائية فيها.‏

جمعه عليه الصلاة والسلام بين رئاسة الدولة وسلطة القضاء‏

وهكذا فقد كان لا بد أن يجمع النبي ( بين رئاسة الدولة وسلطة القضاء، إلى جانب مهمة الإبلاغ عن الله عز وجل لسائر الشرائع والأحكام. وما كانت بيعة العقبة وبيعة الفتح إلا عقداً لهذه الرئاسة حسب القواعد والأصول الشرعية الثابتة، وإلا فإن الدخول في الإسلام لا يحتاج إلى أكثر من التشهد بشهادة الإسلام عن طواعية وصدق.‏

غير أن كلاً من مهمة القضاء والإدارة العليا للدولة، اللتين عهد بهما إلى رسول الله (، إنما يتفرع عن كونه رسولاً مبلغاً عن الله عز وجل. إذ هو لم يؤسس الدولة على النهج الذي أسسها عليه، ولم يقض بين الناس طبقاً للموازين التي كلف بإقامتها، إلا تنفيذاً للرسالة التي أوحى الله بها إليه وكلفه بإبلاغها وإلزام الناس بها.‏

ومن المعلوم أن هذه الجوانب الثلاثة ظلت قائمة مع استمرار الدولة الإسلامية وعلى تعاقب الأزمنة والعصور، ينهض بكل منها رجال أكفاء. ولم يكن قيامهم بأعبائها، في الحقيقة، أكثر من القيام بأعباء الخلافة عن النبي (، وأداء ما كان منصرفاً إلى أدائه على أحسن وجه ممكن.‏

فأول هذه الجوانب يسمى الإمامة أو الخلافة، وثانيها يسمى القضاء، وثالثها يسمى الفتوى.‏

وسنجد الآن أنه لا فرق بين رسول الله عليه الصلاة والسلام وخلفائه من بعد، في النهوض بكل من واجب الإمامة والقضاء. أما منصب الفتوى فيختلف عن منصب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. وهذا الاختلاف محصور في أنه عليه الصلاة والسلام إنما كان يتلقى الفتاوي من ربه وحياً، ثم يبلغها إلى الناس حكماً إلهياً نافذاً؛ أما المفتون من بعده، فإنما يأخذون ما تركه لهم رسول الله مثبتاً في القرآن والسنة، لا يزيدون عليه ولا ينقصون منه. ثم يبلغونه الناس كما كان يفعل رسول الله (.‏

فإن عرض لهم أمر لم يجدوه في قرآن ولا سنة، ألحقوه بأشبه ما قد يكون له من نظائر ثابتة في أحد هذين المصدرين، اقتداء بهديه ( في ذلك. إذ كان يأمر أصحابه بقياس الأمور على مشبهاتها، كلما أعوزهم الدليل المباشر من الكتاب والسنة. ومن أبرز وصاياه في ذلك، قوله لمعاذ بن جبل، وقد أرسله مفتياً إلى اليمن:‏

بماذا تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أقيس الأمور بمشبهاتها. فقال: الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي رسول الله(4).‏

أبرز مظاهر الفرق بين أحكام التبليغ والإمامة والقضاء‏

لقد تبين لنا من هذا الذي أوضحناه، أن سنة النبي ( (وهي مجموعة أقواله وأفعاله وإقراراته) اتجهت في طريق دلالتها على الأحكام، ثلاثة اتجاهات متميزة، وأن كل اتجاه منها ركز على طائفة معينة من الأحكام. وهي في مجموعها، تلك التي انعكست عن تبليغاته، وعن أقضيته، وعن سياسته في الحكم.‏

ومعنى هذا، أن جملة الأحكام التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، تتفرع إلى هذه الأنواع الثلاثة فما هي طبيعة كل من هذه الأنواع؟ وما هو أبرز الفوارق والمميزات التي تفصل كلاً منها عن الآخر، بحيث يسهل أن يعهد بكل نوع منها إلى القائم بشأنه والمكلف برعايته، بعد رسول الله ( ، دون أن يلتبس شيء منه بالأنواع الأخرى؟‏

أولاً- الأحكام التبليغية:‏

هي في الجملة، سائر تلك الأحكام التي خاطب الله بها آحاد الناس، دون أن تتوقف صحة تنفيذها على وساطة حاكم أو قضاء. وهي تهدف في مجموعها إلى تربية الأفراد وإصلاح حالهم المتعلقة بمعاشهم ومعادهم. فمن ذلك أنواع العبادات كالصلاة والصوم والحج والزكاة والأذكار والقربات المختلفة، وسائر أحكام الحلال والحرام المتعلقة بنظام الأسرة وآدابها، وآداب المعايش والمعاملات، وسائر المبادئ الأخلاقية التي جاء بها الإسلام.‏

ومن أبرز ما يختص به هذا النوع من الأحكام هاتان المزيتان:‏

الأولى: أن تحمل المكلفين لمسؤولية النهوض بهذه الأحكام، لا يتوقف على أكثر من معرفتهم لها عن طريق الرسول عليه الصلاة والسلام، أو عن طريق من يبلغ عنه. أي فهي لا تتوقف على حكم قاض، ولا على أمر إمام من أئمة المسلمين. حتى إن معرفتها الداعية إلى التطبيق والتنفيذ قد تتم بوساطة آحاد الناس أو عامتهم.‏

الثانية: أن أداة تبليغ هذه الأحكام هي الإخبار عن الله عز وجل، اعتماداً على ما يجده المخبر (رسولاً كان أم مفتياً) من الأدلة على حكم الله في ذلك. لذا يصدق عليها ما قد يصدق على الخبر من احتمال المطابقة للواقع أو عدم مطابقته له. بل نقول: يصدق عليها من حيث هي (أي بقطع النظر عن القائل) الصدق والكذب، كما هو معروف ومقرر في قواعد اللغة العربية.‏

ومن الأمثلة التي تبرز معنى الاخبار في الأحكام التبليغية، ما رواه ابن جرير وغيره عن أبي العالية أن خولة جاءت تشكو إلى رسول الله ( أن زوجها قال لها مغضباً: أنت عليّ كظهر أمي، وتسأله عن حكم ذلك. فقال لها عليه الصلاة والسلام: ما أعلمك إلا قد حرمت عليه. فجعلت تجادله وتقول له: إنه لم يرد بذلك طلاقاً. فيقول لها النبي عليه الصلاة والسلام: ما أراك إلا قد حرمت عليه. فجعلت تقول: إلى الله أشكو أمري. فما هو إلا أن نزل الوحي على رسول الله (، بصدر سورة المجادلة: “قد سمع الله قولَ التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير” إلى قوله عز وجل: “والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسَّا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير” الآيات… وعندئذ أفتى النبي ( بأن ما قاله زوج خولة لها ظهار وليس طلاقاً، وأمر زوجها أن يكفِّر قبل أن يتماسَّا طبقاً لما أمر الله عز وجل.‏

فإنك لترى أن ما أفتى به النبي عليه الصلاة والسلام في أول الأمر لم يكن إلا إخباراً مستنداً إلى مبلغ علمه في ذلك. فلما أنزل الله في أمرها ما أنزل، تبين أن ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن هو المطابق لحكم الله عز وجل في تلك الواقعة. ولذلك عدل النبي ( إليه.‏

غير أن هذا المثال من شأنه أن يثير تساؤلاً عن الحكمة في خفاء الحكم الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام، مع أنه نبي مؤيد بالوحي!.. وسنشرح الإجابة عليه عند مناسبتها في هذا البحث إن شاء الله مع بيان الحكمة من ذلك.‏

ثم الملاحظ أن هذا النوع من الأحكام، يمثل الغالبية العظمى من أحكام الشريعة الإسلامية بل هو يمثل في الحقيقة القاعدة الأساسية الكبرى التي ينهض عليها كل من النوعين الآخرين كما سنجد.‏

ثانياً- أحكام القضاء:‏

وهي تلك التي يتم إبرامها بين المتخاصمين، طبقاً لما يظهر من الموجبات وقرائن الأحوال، والبينات والحجاج، ولا يتم تلقي هذه الأحكام تبليغاً عن الله عز وجل إن كان المبلغ هو النبي عليه الصلاة والسلام، ولا عن النبي أو النصوص الشرعية فيما لو تصورنا أن المبلغ هو المفتي. وإنما يصدرها قرارات إنشائية من قد عهد إليه بالسلطة القضائية بين الناس وخول أمر النظر بين المتخاصمين بناء على ما تقتضيه موازين الحجاج والبينات التي رسمها الشارع الحكيم على وجه الإعلام والتبليغ، وذلك إقامة لموازين العدل وحماية لحقوق الناس أن تتزاحم فيقضي عليها التنافس أو التسابق، ويأكل القوي الضعيف.‏

ومن أمثلة هذه الأحكام، فسخ الأنكحة والعقود عندما تتحقق أسباب ذلك، والتطليق بالإعسار، وتحديد النفقة الواجبة، والحجر على السفهاء والغارمين، والتمليك بموجب حق الشفعة، وإلزام الذمم بحقوق الآخرين عند ثبوت البينات على ذلك.. الخ.‏

ومن أبرز ما يتميز به هذا النوع الثاني من الأحكام الخصائص التالية:‏

الخاصة الأولى: أن أحكام القضاء تثبت إنشاء لا إخباراً. ومن ثم فإنها لا تخضع لما يخضع له الحكم التبليغي من احتمالات الصدق والكذب، بل حتى الخطأ والصواب أيضاً إن لوحظت آثار الأحكام القضائية في دار الدنيا. فالشأن فيها كألفاظ العقود التي ينشئها المتعاقدان والطلاق الذي يتلفظ به الزوج، فهي ألفاظ إنشائية لا تخضع لوصف الصدق أو الكذب أو الصحة والخطأ.‏

نعم لا بد أن تعتمد هذه الأحكام الإنشائية على مستندات من الأحكام التبليغية التي ثبتت أخباراً عن الله عز وجل، كوجوب الشاهدين في القضايا المالية، وكمطالبة المدعي بالبينة والمدعى عليه باليمين، وككثير من قرائن الأحوال والاجتهادات التي ثبتت لدى القاضي صحتها ومن ثم ثبتت لديه مشروعية الاعتماد عليها.‏

وقد ذكر الإمام القرافي (من كبار أئمة القرن السابع الهجري) هذه الخاصة لأحكام القضاء ثم استدل عليها بما رواه الشيخان عن رسول الله ( أنه قال:‏

“إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما هي قطعة من نار”.‏

ثم قال القرافي: (دل ذلك على أن القضاء يتبع الحجاج وقوة اللحن بها. فهو ( في هذا المقام منشئ، وفي الفتيا والرسالة مبلغ)(5).‏

ولقد التبس الأمر على بعض الباحثين المعاصرين، إذ غاب عنه الفرق بين مستندات الحكم القضائي والحكم القضائي ذاته، فادعى أن كلاً من القضاء والفتوى يشتركان في كونهما اخباراً عن الحكم.‏

ولكنا إذا أمعنا النظر، رأينا أن الفتوى ليست إلا مستنداً أو مرحلة تمهيدية لإصدار الحكم القضائي، وإن وجد تشابه في كثير من الأحيان بينهما.‏

ولذا كان من المقرر أن القاضي إذا قال: ثبت لدي أن الحكم كذا، لا يكون ذلك منه إصداراً لحكم وإنما هو مجرد إعلام بمعرفته لحكم تبليغي وقناعته الذاتية به. فإن رتب على معرفته هذه حكماً، بأن قال بعد ذلك: ولذا فقد قضيت بكيت، وبكيت، كان ذلك منه حكماً إنشائياً ولِد مع نطق القاضي به. والفرق بين هذا الحكم ومستنده السابق عليه والذي كان ثابتاً بحد ذاته، دون حاجة إلى أي حكم، أن الحكم الذي جاء مرتباً عليه يحمل معه قوة الإلزام في حق المحكوم عليه أو الأطراف المعنية بالأمر، إذ يصبح بمجرد نطق القاضي به شريعة نافذة في حقهم. على حين أن مستنده العاري عن الحكم القضائي ليس أكثر من حكم إبلاغي ثابت بحد ذاته لا يتضمن أي جبر أو إلزام.‏

الثانية: أن أحكام القضاء لا يتم إبرامها ولا تصبح ملزمة إلا بواسطة القضاء.‏

وليس في الحكم القضائي قوة القياس عليه، كما لا يتضمن أي معنى شمولي يتجاوز به الجزئية التي صدر القضاء في حقها(6).‏

وعلى هذا لا ينال مستحق الشقة حقه بمجرد كونه شريكاً في العقار، واعتماداً على أدلة استحقاقه لها من نصوص السنة وإجماع الفقهاء. بل لا بد بالإضافة إلى ذلك كله من صدور حكم بذلك. ثم إن صدور هذا الحكم لا يجدي لحادثة أخرى مهما كانت مشابهة لها، بل لا بد فيها من صدور حكم آخر، وكذلك سائر الأحكام القضائية الأخرى.‏

ومن الملاحظ أن هذه الخاصة الثانية متفرعة من الأولى. إذ لو كان القاضي مجرد مبلغ عن الله حكماً ثابتاً بحد ذاته، لجاز للمتخاصمين أن يتبلغاه ثم ينفذاه عن أي طريق آخر، إذ لا ينحصر بلوغ حكم الله في طريق القضاء وحده. ولكن لما كان قرار القاضي إنشاء لحكم شرعي لم يكن موجوداً قبل نطقه به، توقف اعتماده والعمل به على صدوره منه.‏

ومن آثار هاتين الخاصتين أن الحكم القضائي لا يخضع لاحتمال النقض. إذ هو ليس حكماً تبليغياً عن الله عز وجل، حتى يتبين خطؤه فيتقرر نقضه. بل إنه إذا صدر، أصبح حكماً لازماً سارياً حتى على القاضي نفسه، ومن ثم لا يملك القاضي حق نقضه والرجوع فيه. ولذلك قالوا: الاجتهاد ولا ينقض الاجتهاد(7).‏

ومن المفروغ منه أننا نتحدث عمن تولى القضاء بجدارة، فالتزم قواعده وآدابه، ولم يكن ممن ينشئ الأحكام بالهوى وبسائق الشهوات. فأما ما خالف صريح القرآن أو السنة الصحيحة أو إجماع المسلمين، أو كان غير منضبط بقواعد القضاء وأحكامه الأساسية، فهو قضاء باطل، دون أن يحتاج إلى قضاء آخر ينقضه(8).‏

الثالثة: أن أحكام القضاء ملزمة فور صدورها لكل من اتجهت إليه وتعلقت به، يستوي في ذلك الأئمة والرؤساء وسائر طبقات الناس وفئاتهم.‏

ومن ثم فليس لأحد من الناس، على اختلاف طبقاتهم وتفاوت نفوذهم، أن يتأبى على حكم أبرمه قاض تجمعت فيه شروط القضاء والتزم بقواعده وأحكامه، سواء في حق نفسه أو حق غيره كائناً من كان.‏

ومن أدلة ذلك ما رواه ابن اسحاق والطبري في مسألة تحكيم النبي ( لسعد بن معاذ في يهود بني قريظة، بعد أن خانوا عهدهم مع المسلمين في غزوة الخندق، وفيه أنه لما جيء بسعد بن معاذ إلى الرسول ( قالوا له: يا أبا عمرو، أن رسول الله ولاّك أمر مواليك فيهم. فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيها ما حكمت؟ قالوا: نعم. قال وعلى من ها هنا؟ يشير إلى الناحية التي فيها رسول الله (، وهو معرض عن رسول الله إجلالاً له. فقال رسول الله: نعم. قال سعد: فإني أحكم فيهم بأن يقتل الرجال وتقسم الأموال وتُسبى الذراريّ والنساء(9).‏

فقد أوضح النبي ( بجوابه لسعد أن قضاءه سار على المسلمين جميعاً، لا يملك أن ينقضه أحد بما فيهم رسول الله نفسه. وذلك بعد أن خوله النبي عليه الصلاة والسلام القضاء في يهود بني قريظة، فكيف بالخلفاء والحكام من بعده عليه الصلاة والسلام.‏

وبالجملة، فقد نبه النبي عليه الصلاة والسلام –كما يقول القرافي- إلى هذه الفوارق بين أحكام التبليغ وأحكام القضاء، عندما قال: “أقضاكم علي، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل”.‏

قال القرافي: قال العلماء، إذا كان معاذ أعلم بالحلال والحرام، فهو أقضى الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. فما معنى قوله: أقضاكم عليّ؟!.. أجابوا رضوان الله عنهم بأن القضاء يرجع إلى التفطن لوجوه حجاج الخصوم. وقد يكون الإنسان أعلم بالحلال والحرام، وهو بعيد عن التفطن للخداع الصادرة عن الخصوم والمكايدة والتنبه لوجوه الصواب” ثم قال: “فظهر حينئذ أن القضاء يعتمد الحجاج، والفتيا تعتمد الأدلة”(10).‏

ثالثاً: أحكام الإمامة:‏

وهي تلك التي أنيطت مباشرة بالمصالح العامة العائدة إلى الأمة كلها، دون ملاحظة حال أفراد منها على وجه الخصوص قامت بينهم لجاج وخصومات. ومن ثم فلا يجوز أن ينظر فيها ويبرم أحكامها إلا الإمام الأعلى للمسلمين.‏

ومن أبرز الأمثلة على هذا النوع من الأحكام، إعلان حالة الحرب والسلم، وإبرام المعاهدات، وقتال البغاة، وتنفيذ الحدود، وتوزيع الاقطاعات، وكل ما يدخل في دائرة الأحكام التنظيمية والإدارية المتعلقة بمصالح الأمة والبلاد(11).‏

ومن أجلى ما تختص به هذه الطائفة الثالثة من الأحكام، أن البت فيها عائد إلى الإمام الأعظم وحده. فكل تلك الأحكام التي ينص الفقهاء على أن إبرامها والقيام بتنفيذها منوطان بإمام المسلمين، داخل في أحكام الإمامة. وهي منثورة في أبواب مختلفة من كتب الفقه.‏

ولكن يستثنى بعض من هذه الأحكام في حالات بخصوصها. كصرف أموال المصالح العامة في مصارفها. فإذا تعذر قيام الأئمة بها على الوجه السليم، بسبب فقدٍ أو جور، جاز لآحاد الناس أن يصرفوها في وجوهها المشروعة، إن آنسوا في أنفسهم القدرة على ذلك. إذ لو منعناه عملاً بالأصل لفاتت مصالح صرف تلك الأموال إلى مستحقيها. فكان تحصيل هذه المصالح ودرء المفاسد بها أولى من تعطيلها(12).‏

والخلاصة أن كل ما لم يدخل في أحكام التبليغ ولا في أحكام القضاء، طبقاً لما تم بيانه وتعريفه، فهو داخل في أحكام الإمامة، وتسري عليها الخاصة التي تم إيضاحها الآن.‏

السنة النبوية مصدر تفصيلي لهذه الأنواع الثلاثة من الأحكام‏

ثم إن هذه الأنواع الثلاثة من الأحكام، لم تنبثق إلا من السنة النبوية المطهرة، التي هي بدورها بيان وتفصيل لما أجمله كتاب الله عز وجل.‏

فمن خلال سعيه ( إلى إقامة المجتمع الإسلامي، وتنظيم الدولة الإسلامية، تجلت هذه الأنواع الثلاثة من الأحكام، وأخذ كل منها سمته التي تميزها.‏

كما أبرز لنا النبي ( ، بسلوكه الفعلي وبياناته القولية، أن تنفيذ هذه الأنواع الثلاثة من الأحكام على وجهها السليم في المجتمع، يستلزم وجود سلطة عليا تتمثل في رئيس الدولة، وسلطة قضائية تتمثل فيمن يعهد إليه القضاء، إلى جانب سائر أفراد الناس الذين يتولون تطبيق الأحكام الشرعية بشكل مباشر بكل فرد منهم، ومرجعهم في معرفتها والتحقق منها هو المفتي وسائر أهل الدراية والعلم.‏

ومع ميلاد الدولة الإسلامية الجديدة، كان لا بد أن يتولى النبي عليه الصلاة والسلام كلاً من السلطة القضائية وسلطة رئاسة الدولة، إلى جانب وظيفته الأساسية الأولى، وهي تبليغه الأحكام الشرعية إلى آحاد الناس، على نحو ما أسلفناه في أول هذا البحث. إذ لم يكن أحد في عصره ( أولى بهما منه.‏

إذن فقد كانت له ( ثلاثة جوانب متميزة في شخصه عليه الصلاة والسلام. هو بموجب واحد منها مبلغ عن الله عز وجل، وهو المنطلق والأساس؛ وبموجب الثاني منها إمام أعلى للمسلمين، وبموجب الاعتبار الثالث قاض بينهم، يفصل في خصوماتهم ويشرف على رعاية موازين العدالة والحق فيما بينهم.‏

ومن هنا اقتضت الضرورة أن ننبه إلى طبيعة الأحكام التي كان النبي ( يأمر بها أو ينفذها، بوصف كونه رئيس دولة، والتي كان يقضي بها ويبرمها بوصفه قاضياً بين المسلمين، والتي كان يبلغها ويعلمها عامة الناس بوصفه أميناً على تبليغها لهم، كما تلقاها وحياً من رب العالمين جل جلاله.‏

ذلك لأن اتباعنا له ( فيما تركه لنا من سنته القولية والفعلية والوصفية، وإن كان أساساً جوهرياً لا بد من التحقق به لتطبيق أحكام الإسلام وإقامة المجتمع الإسلامي، إلا أن المعنى السليم لاتباعه يختلف حسب اختلاف هذه الأحكام وتنوعها إلى الأنواع الثلاثة الهامة التي تم إيضاحها.‏

ولا ريب أن هذا من أهم ما يجب على الفقيه والمجتهد في الشريعة الإسلامية أن يصرف همه إليه لدراسته وفهمه على خير وجه. وهو أهم ما يعين على تطبيق الشريعة الإسلامية على وجهها الصحيح في كل عصر، وهو أهم ما يبرز معنى صلاحيتها لكل زمان ومكان، ويحلل المقصود بمرونتها وسير أحكامها على مقتضى المصالح. وإلا فرب رجل يجمد عند حرفية نص من نصوص السنة المطهرة، يحسب أنه يحافظ بذلك على اتباع السنة والتمسك بها، وهو –لو علم- متنكب بذلك عنها ومخالف لها.‏

كيف نطبق السنة النبوية على ضوء هذا التقسيم؟‏

ومع طرحنا لهذا السؤال، نصل إلى العمود الفقري لهذا البحث. غير أن علينا قبل أن نبدأ الإجابة عنه، أن نوضح بأن سائر هذه الأنواع الثلاثة من تصرفاته عليه الصلاة والسلام وما تثمره من مبادئ وأحكام، يلتقي على قاسم مشترك لها جميعاً، ألا وهو اصطباغها كلها بصبغة الأحكام الشرعية التي ألزم الله بها عباده، بمعنى أنه لا يجوز لنا أن نتوهم بأن أحكام الإمامة التي انعكست عن تصرفات النبي عليه الصلاة والسلام، بوصف كونه رئيس دولة، ليست أحكاماً دينية، وأنها مجرد اجتهادات سياسية نحن في حل من التقيد بشيء منها!..‏

ذلك، لأن مهام الإمامة العظمى والقضاء بين الناس، لم تنبثق في مجموعها إلا من الأحكام التبليغية التي تلقاها النبي ( عن ربه بحكم كونه نبياً مرسلاً إلى الناس. فهي وإن لم تكن في جزئياتها وتفصيلاتها أحكاماً تبليغية، ولكنها في جملتها داخلة تحت سلطان هذه الأحكام التبليغية، غير شاردة عن شيء من حدودها ودائرتها.‏

ولكن هل السبيل إلى تطبيق أحكام الإمامة والقضاء، هو السبيل ذاته إلى تطبيق الأحكام التبليغية؟ وهل معنى الالتزام المطلوب بهذه الأحكام هو نفسه المعنى المطلوب في الالتزام بالأحكام الأخرى؟‏

الجواب: لا.. بل الأمر في ذلك مختلف جداً. وهذا ما سنشرحه بإيجاز فيما يلي:‏

أولاً- السنة المتعلقة بالأحكام التبليغية:‏

هذا النوع من السنة يجب اتباعه والتقيد به بشكل حرفي، ضمن دلالته اللغوية والشرعية السليمة. ويجب الثبات على هذا التقيد خلال الأحقاب والأزمنة كلها. لا يبطلها أو ينسخها إلا قرآن منزل أو سنة مثلها، طبق ضوابط وشروط معروفة لا مجال في هذا المقام لذكرها.‏

فما ثبت بهذه السنة وجوبه أو حرمته أو إباحته أو كراهته أو أفضليته، يظل حكمه كذلك في حق الناس جميعاً إلى يوم القيامة. لا يلغيه قانون إمام ولا قضاء قاض ولا اجتهاد مجتهد.‏

وجل أحكام الشريعة الإسلامية من هذا القبيل. فالربا والخمر والغلول والاحتكار والسرقة والفواحش والغيبة والنميمة وأمثالها، محرمات ثبتت حرمتها بأحكام تبليغية، ومن ثم فلا بد من تجنبها بشكل مطرد ومستمر. والصلاة والصيام والحج والزكاة وأداء الحقوق المالية والمعنوية، ومعرفة أصول العقائد الإسلامية وأمهات الأحكام الدينية، ونحوها واجبات ثبت وجوبها بأحكام تبليغية في حق المكلفين جميعاً. ومن ثم فلا بد من الالتزام بها على الدوام دون أي تبديل فيها. وهكذا المندوبات والمكروهات والمباحات لا يجوز إقحام أي تغيير فيها بحجة التطور واختلاف الأزمان. إذ ليست هي المعنية بقولهم تتبدل الأحكام بتبدل الأزمان، كما يتوهم كثير من الناس اليوم.‏

وبالجملة، فكل ما رسمه لنا رسول الله من أحكام على وجه التبليغ عن الله عز وجل، يعد تشريعاً ثابتاً متقرراً في حق سائر المكلفين على اختلافهم إلى يوم الدين، دون احتياج إلى حكم إمام أو قضاء قاض. بل لا يملك أحد أو يغير أن يبدل منه شيئاً، مهما كانت سلطته وسلطانه.‏

ثانياً- السنة المتعلقة بأحكام الإمامة:‏

وهي تشمل –كما قلنا- كل ما قام به النبي ( ، من التصرفات، بوصف كونه إماماً أعلى للمسلمين. والمسلمون ملزمون بدون ريب باتباعه في تلك التصرفات. إذ هي جزء لا يتجزأ من سنته، والسنة مصدر أساسي في التشريع.‏

ولكن كيف يتم اتباع النبي ( في هذه التصرفات؟‏

ينبغي للإجابة على هذا السؤال أن نفرق بين الأصول الأساسية والأحكام الكلية التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يتخذها منطلقاً ومنهجاً لسياسته، والوقائع أو الجزيئات التنفيذية التي كان ( ينفذها على ضوء تلك المنطلقات الكلية.‏

فأما الأصول الأساسية والمنطلقات الكلية، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يتلقاها عن ربه وحياً، سواء كان متلواً بواسطة القرآن، أو غير متلو وهو السنة. فهي بحد ذاتها تعد من جملة الأحكام التبليغية التي تبلغها النبي عليه الصلاة والسلام في حق نفسه ثم بلغها أصحابه وأمرهم بتبليغها للناس أجمعين. فلا بد من اتباع سائر المسلمين لها والالتزام بها إلى يوم الدين. ومن الأمثلة عليها واجب إقامة العدل، والجهاد في سبيل الله، وحماية الثغور، وتجهيز الجيوش، وإقامة الصنائع، وتوسيع العمران، وإقامة الحدود. فلا يملك أحد من الناس أياً كان أن يغير من هذه الأحكام الكلية أو يبدل فيها.‏

وأما طرق تنفيذ هذه القواعد والأحكام الكلية في نطاق الجزئيات، وما يسميه الأصوليون بتحقيق المناط، فإن الشارع جل جلاله لم يلزم رسوله بأي تفسير جزئي أو حرفي لها. بل ربطها بما تقتضيه مصلحة الأمة، وجعل تقدير هذه المصلحة والنظر في آثارها وما يترتب عليها عائدين إلى اجتهاد النبي عليه الصلاة والسلام ومدى تفهمه للظروف والأحوال، وذلك بوصف كونه يتبوّأ مركز الإمامة العليا في أمته.‏

فقد أمر الله رسوله –على سبيل المثال- بالجهاد، فقال له “يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم..” ولكنه ترك إليه اختيار أفضل السبل لتنفيذه والقيام به، وأعطاه حق المرونة في سياسة تطبيقه، على أن يكون محور ذلك كله تلمس المصلحة التي شرع من أجلها الجهاد. فإن رأى المصلحة تقضي بإعلان الحرب على الأعداء فعل ذلك، وإن رآها تستلزم تأجيله إلى حين فعله وإن رأى الخير في أن يبرم صلحاً موقوتاً معهم كان ذلك هو الواجب الذي لا مناص منه. وإن رأى المصلحة تدعو إلى تحريق بيوت الأعداء وقطع أشجارهم أمر بذلك ووجبت على الجند طاعته، وإن رأى المصلحة داعية إلى خلاف ذلك أصبح هو الواجب.‏

وقد شرع الله تعالى الأسر، أثراً من آثار الحرب، فهو بوصفه الكلي حكم تبليغي لا يُمس ولا يتغير. ولكن الله تعالى خول نبيه ( باعتباره القائد الأعلى للدولة الإسلامية، أن يعامل الأسرى حسبما يرى ببصيرته واجتهاده أنه المصلحة والخير للدعوة الإسلامية التي لم يشرع الجهاد إلا حماية لها. فهو –على ضوء ذلك- يتخير بين القتل، والمن والفداء والاسترقاق.‏

وقد شرع الله تعالى العدل وأمر النبي عليه الصلاة والسلام، كما أمر المسلمين عامة بتحقيقه والسير على منهاجه. ولكنه أعطى رسوله عليه الصلاة والسلام صلاحية رعايته وتحقيقه بالسبل التي يرى أنها المتكفلة بإقامة موازين العدل ورعايتها على أحسن وجه، على أن لا يخل ذلك بشيء من الأحكام التبليغية الثابتة.‏

وعلى هذا فإن النبي عليه الصلاة والسلام يملك أن يُقطع من الأموال العامة ويحرمها من يشاء، كما يملك أن يستورد من السلع والبضائع ما يشاء وأن يمنع منها ما يشاء، ما دام يتبع في ذلك ميزان المصلحة والعدل بين شتى فئات الناس.‏

ومما لا ريب فيه أن كل هذه التصرفات منه عليه الصلاة والسلام، داخل في معنى السنة المطهرة. ومن ثم فمن المتعين على الناس جميعاً أن يتبعوه فيها، وأن لا يخرجوا عليها في شيء من سلوكهم وتصرفاتهم.‏

ولكن كيف يكون سبيل اتباعهم له ( في هذه التصرفات؟ أي هل يجب عليهم جميعاً أن يلتزموا التزاماً حرفياً بجزئيات تصرفاته هذه، كما هو الشأن في السنة النبوية المتعلقة بالأحكام التبليغية؟‏

نقول في الجواب: لا، بل الأمر مختلف بينهما اختلافاً كبيراً. وإنما يكون سبيل اتباع الناس له ( فيما فعله أو قضى به بوصف كونه إماماً بالتزامهم ذلك على الوجه التالي:‏

أما الناس الذين كانوا يعيشون في ظل قيادته وحكمه، فإن كل ما أبرمه عليه الصلاة والسلام في حقهم تسري مسؤوليته عليهم جملة وتفصيلاً، كما لو كانوا يتلقون منه الأحكام التبليغية. وهم المعنيون بقوله تعالى:‏

(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً( النساء: 65 أي مما قضيته في حقهم بوصفك إماماً أعلى لهم أو قاضياً فيهم.‏

أما من تولى الإمامة العظمى من بعده، فإنما عليه أن يتقيد بالأصول العامة والأحكام الكلية المتعلقة برعاية المصالح وإدارة الأمور، طبقاً لما كان النبي ( يتقيد به من ذلك. أما التطبيقات الجزئية الناجمة عن التقيد بتلك المبادئ والأصول، فليس عليهم أن يتبعوه في شيء منها، وإنما الواجب عليهم أن يجتهدوا فيها كما كان يجتهد النبي عليه الصلاة والسلام، وأن يدوروا فيها على محور المصالح الشرعية المستجدة والمتطورة مع الزمن، كشأنه ( في ذلك. فربما وافقوا في بعضها أحكامه ( وربما خالفوه في الكثير منها.‏

على أنها لا تعد مخالفة إلا في ظاهر الأمر، أما بالنظر إلى حقيقته، فإن ذلك هو عين اتباعه عليه الصلاة والسلام فيها. إذ أنه ما كان يتخير من وجوه التطبيقات لتلك المبادئ والأصول الكلية ما تقتضيه الظروف والأحوال مما يتفق وقانون المصالح العامة، إلا وهو يعلم خلفاءه في الحكم من بعده أن يتحروا كما يتحرى، وأن يتلمسوا مصالح الأمة كما يتلمس فإذا اقتضى هذا التحري منهم أن يختاروا في أزمنتهم وجوهاً تطبيقية أخرى لتلك الأحكام الكلية، فذلك هو عين التأسي بسنة المصطفى وهديه في هذا النوع من الأحكام. ولو أنهم سلكوا غير هذا السبيل لكانوا متجانفين عن سنته حائدين عن سبيله.‏

ومن الأمثلة التطبيقية لذلك، المعاهدة التي أبرمها النبي عليه الصلاة والسلام بين المسلمين ويهود خيبر بعد غزوة خيبر. فقد رأى عليه الصلاة والسلام بوصف كونه إماماً أعلى للمسلمين أن المصلحة لهم تقتضي أن يستجيب لما اقترحه اليهود عليه، فيبقيهم على أراضيهم التي كانوا يعملون فيها والتي أصبحت ملكاً للمسلمين، على أن يعملوا لهم فيها كما كانوا مقابل أخذهم بعض ما يخرج منها.. ثم تولى الخلافة أبو بكر، فرأى أن يبقي هذه المعاهدة على حالها، إذ لم يجد ما يستدعي إلغاءها. ثم جاء من بعده عمر، فرأى بعد حين أن يلغيها ويخرج اليهود من خيبر بناء على ما لمسه من التطورات والمصالح المستجدة التي اقتضت بنظره ذلك(13).‏

ثم إن معظم ما يسمى بأحكام الإمامة معروف ومتفق عليه، وهو باختصار كل ما يتعلق بسياسة السلم والحرب وتوزيع الاقطاعات وتنظيم العلاقات المناسبة بين المسلمين وغيرهم إلى جانب القضايا التنظيمية والإدارية على اختلافها.‏

إلا أن الفقهاء اختلفوا في طائفة من الأحكام الأخرى، لم تستبن لهم دلائل قاطعة على كونها من أحكام الإمامة أو التبليغ. منها حكمه ( بأن من أحيا أرضاً ميتة فهي له.‏

فقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه إنما قضى بذلك بموجب حكم الإمامة. فلا يسري هذا الحكم إلا على من كان في عهده، أما الذين جاؤوا من بعد، فإنما يناط أمره بما يراه كل إمام في عصره وعهده حسب مقتضى المصالح والظروف. ولذا لا يجوز لأحد بعد عصر رسول الله ( أن يستصلح أرضاً مواتاً ليتملكها إلا بعد أن يستأذن في ذلك إمام المسلمين وخليفتهم فيأذن بذلك. أما الشافعية والمالكية والحنابلة فقد ترجح لديهم أن هذا يعود إلى تصرفه ( بوصف التبليغ والفتيا. وعلى ذلك فإن قوله عليه الصلاة والسلام “من أحيا أرضاً ميتة فهي له” يتضمن حكماً تبليغياً يسري على الناس إلى يوم القيامة دون أن يكون للحكام أو غيرهم صلاحية أي توقيف له أو إلغاء، فلمن شاء أن يستصلح من الموات الذي لم يملك بعد، ما يشاء دون استئذان أحد(14).‏

نعم اشترط المالكية استئذان الإمام فيما إذا كانت الأرض الموات قريبة من العمران بأن كان حريماً له، خوفاً من أن يتضرر العمران بذلك، فإن لم يكن قريباً بهذا الشكل فلا حاجة إلى الأذن(15).‏

هذا، ومن الملاحظ أن أحكام الإمامة في الشريعة الإسلامية تستوعب ما يسمى بالأحكام العرفية في القوانين والنظم الوضعية. فمن المعلوم أن المجتمعات أياً كانت قد تمر من حياتها بظروف استثنائية تصبح القوانين الدورية عاجزة أثناءها عن معالجة الأمور وحل المشكلات، فيستدعي الأمر إعطاء صلاحيات استثنائية لرئيس الدولة أو القائد الأعلى يتصرف بموجبها طبق ما تقتضيه الظروف الطارئة دون أن تكون هناك أي ضوابط أو حدود قانونية تضيِّق من صلاحياته.‏

ولكم تساءل باحثون: أين ما يقابل “أحكام الطوارئ” في الشريعة الإسلامية؟ وكيف تسد أحكام الشريعة الإسلامية هذه الثغرة التي لا يؤمن أن تأتي بها الظروف الطارئة في كل عصر؟‏

والجواب أن طبيعة أحكام الإمامة التي أوضحنا طرفاً منها، تقوم مشروعيتها على حكم وأسباب، من أهمها سد هذه الثغرة التي يعالجها أرباب القوانين الوضعية بالأحكام العرفية. فإن الإمام الأعلى في الدولة الإسلامية يشعر في كل وقت أن الشارع قد متعه بصلاحيات واسعة، ضمن حدود تنظيمية دقيقة، لإبرام ما يراه وافياً بالمصلحة العامة متفقاً مع مقتضى الضرورات الطارئة.‏

وبذلك نجد أنفسنا أمام برهان آخر في غاية الأهمية، على صلاحية هذه الشريعة الإسلامية لكل زمان وفي كل حال. وليست الصلاحيات التي يتمتع بها الإمام الأعلى في أن يقضي بحق الأسرى أثناء الحروب بما يرى أنه الخير والمصلحة للمسلمين، من قتل وفداء ومنّ واسترقاق، إلا مظهراً فذاً لتلك المرونة التي تقابلها عند رجال القانون الأحكام العرفية.‏

أي فالجنوح إلى استرقاق الأسرى ليس تطبيقاً لحكم شرعي من أحكام التبليغ الثابتة وإنما هو استجابة اضطرارية لظرف طارئ يقدره القائد الأعلى للأمة الإسلامية. ومما لا ريب فيه أن هذا الظرف الطارئ نفسه لو عولج على مستوى وضعي بسلاح من الأحكام العرفية، لجاء هذا السلاح أقسى بكثير مما قد تقضي به أحكام الإمامة، المنضبطة بأرضية القواعد الشرعية ومبادئها التبليغية.‏

ثالثاً- السنة المتعلقة بأحكام القضاء:‏

وهي تشمل كل ما قضى به النبي ( بمقتضى السلطة القضائية التي كان يتمتع بها، إلى جانب ما يتمتع به من سلطة الإمامة العظمى. وقد علمت أنه لا مجال، بل لا معنى لأن يعهد بواحدة منهما –مع وجوده (- إلى أي شخص آخر من دونه. إذ أنهما متفرعتان عن الأحكام التبليغية التي كان عليه الصلاة والسلام يتلقاها وحياً من ربه فلا مناص إذن من رجوع من يتولى إحدى هاتين السلطتين إلى النبي (، لمعرفة ما يجب أن يفعله ويهتدي به. فتعود السلطة الحقيقية إذن لرسول الله (.‏

ولم تنفصل سلطة القضاء عن الإمامة إلا بدءاً من عهد عمر، عندما رأى أن الدولة الإسلامية اتسعت حدودها وترامت أطرافها، وكثرت مشكلات الناس فيها، مما تسبب عنه كثرة التقاضي. فقد رأى عندئذ أن يتفرغ لشؤون الإمامة ورعاية الدولة، وأن يعهد بالقضاء وشؤونه إلى من يتسنى له أن يتقنهما ويتفرغ لهما. ومنذ ذلك الحين أصبحت للقضاء سلطته الخاصة المنفصلة عن سلطة رئيس الدولة. ثم زاد هارون الرشيد بعد ذلك من استقلالها وأهميتها، فأوجد ما سمي بمنصب قاضي القضاة، ترسيخاً لاستقلالية هذا المنصب الخطير، وقطعاً لأي سبيل يمكن اتخاذه للتأثير عليه.‏

فإذا ما استعرضنا في سنة النبي عليه الصلاة والسلام صوراً جزئية كثيرة من أقضيته في حق أفراد الناس، بموجب كونه قاضياً فيهم، كتمليكه بحق الشفعة، وفسخه بعض الأنكحة والعقود وبتِّه في الدعاوي والخصومات، ثم أردنا أن نقتدي به فيها عملاً بسنته عليه الصلاة والسلام فكيف نفعل؟ وكيف يكون اقتداؤنا به في هذه الأقضية وأمثالها؟‏

أنجمد عند الأحكام ذاتها التي قضى بها في حق أولئك الأشخاص، ثم نقيس عليهم كل من وقعوا في المشكلات نفسها مهما اختلفت الأحوال والظروف؟.. إذن فلا حاجة لمنصب القضاء من بعده في هذه المسائل، وتتحول بذلك أقضيته عليه الصلاة والسلام إلى فتاوى مستقرة وثابتة، يبلغها المفتون لجميع الناس أو لكل من تعنيهم أحكامها!..‏

إن السبيل المشروع إلى اتباع سنة النبي ( ، في كل ما قد حكم به من مستوى السلطة القضائية، هو أن يخلفه من بعده قضاة في كل عصر، وأن ترفع إليهم سائر المشكلات القضائية التي سبق تحديدها وبيانها، كما كانت ترفع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ثم أن يلتزم هؤلاء القضاة بالأصول والقواعد ذاتها التي كان يلتزم بها النبي (. كقاعدة: البيِّنة على المدعي واليمين على من أنكر. وكالأحكام المتعلقة بالإقرار والبينات والشهود وقرائن الأحوال.‏

فإذا التزم القضاة بذلك، فإن عليهم أن يجتهدوا في الأقضية التي بين أيديهم كما كان يجتهد النبي عليه الصلاة والسلام، وأن يتحروا في الحكم كما كان يتحرى، مستعيناً بكل ما قد أوتي من دراية وحنكة للكشف عن خافيات الأمور وملابساتها والتنبه إلى مكر المتخاصمين وحيلهم. فذلك هو جوهر التأسي المطلوب به ( في إقامة هذه الأحكام. ولا مانع بعد ذلك أن يتوصلوا إلى خلاف ما قضى به النبي عليه الصلاة والسلام في الأقضية الجزئية ذاتها.‏

أي أن النبي عليه الصلاة والسلام، لما حكم في تلك المسائل بوصف كونه قاضياً، كان الاقتداء به فيها لا يتحقق إلا بأن تعهد هذه المسائل إلى قضاة من بعده، فيتحروا فيها كما تحرى، ويجتهدوا على ضوء الموازين الشرعية كما اجتهد، بقطع النظر عن الاتفاق أو الاختلاف في النتائج.‏

ثم إن أكثر الأحكام القضائية معروف ومحل اتفاق.. ولكن يوجد إلى جانبها ما هو محل خلاف ونظر، إذ لم تستبن دلائل نسبتها إلى زمرة الأحكام القضائية أو التبليغية بشكل جلي واضح.‏

فمما وقع الخلاف فيه، قضاؤه ( لهند بنت عتبة، لما شكت إليه بأن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيها وولدها الكفاية من النفقة. فقد قال لها: خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف(16). فقد ذهب جماعة من الفقهاء، منهم الإمام مالك إلى أن هذا الحكم تبليغي أخبرها به النبي ( عن الله عز وجل، بوصف كونه رسولاً. فعلى هذا يجوز الفتوى بأن كل من ظفر بحقه أو بجنس حقه أو بما يقوم مقامه من جنسه، مع امتناع من عليه الحق من إعطائه إياه، جاز له أخذه بدون تدخل القضاء. وقال الشافعي وآخرون: بل هذا من قبيل التصرف بالأحكام القضائية.. وعليه فليس لمن ظفر بحقه أن يأخذه عنوة إلا بعد قضاء القاضي بذلك(17).‏

***‏

فإذا ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يبرم كثيراً من الأحكام بوصف كونه إماماً أعلى أو بوصفه قاضياً بين الناس، وأن مدار هذه الأحكام على التحري والاجتهاد، فقد ثبت إذن أن عليه الصلاة والسلام كان يجتهد بمعزل عن الوحي، وأنه كان يستهدي في اجتهاداته في هذه الأحكام بميزان المصالح الشرعية المعتمدة، هذا بعد الانضباط بأصول تلك الأحكام وقواعدها العامة.‏

وهذا ما استقر عليه مذهب جمهور علماء الشريعة الإسلامية وأئمتهم، من الشافعية والمالكية والحنابلة وأكثر الحنفية. وإنما خالفهم المعتزلة وبعض المتكلمين. حيث قالوا إنه ( لم يكن له أن يجتهد لأنه كان مؤيداً بالوحي(18).‏

ولسنا هنا بصدد استعراض الأدلة الواضحة التي استدل بها الجمهور، والأمثلة العملية الكثيرة لاجتهاداته (. وحسبنا أن نوضح هنا باختصار، أن الوحي لم يكن مستمراً في حياته ( دون انقطاع، حتى يعتمد عليه ويستغني به عن النظر والاجتهاد هذا بالإضافة إلى وجود مشكلات آنية كثيرة تتطلب حلها وبيان الحكم فيها، وإنما المرجع في حلها والمكلف ببيان أحكامها رسول الله ( . فكيف إذا علمت بأن الوحي الإلهي ذاته كان يأمره بأن يجتهد في أقضية الناس ومسائل السياسة الشرعية، ويحكم فيها بما يرى أنه الحق والعدل؟!..‏

ولكن ما الحكمة من أن يحجب عنه الوحي في هذه القضايا، ثم يلجأ إلى التحري والاجتهاد، شأن أي إمام من الأئمة المجتهدين من بعده؟‏

والجواب أن من المهام التي بعث بها النبي (، أن يعلِّم الناس من بعد الاجتهاد في أمور السياسة الشرعية والأحكام القضائية، طبقاً للأصول والقواعد المرسومة لكل منهما، حتى يوضح لهم بذلك معنى المرونة في الشريعة الإسلامية، ومعنى صلاحيتها الدائمة لكل زمان ومكان. فكيف السبيل إلى أن يعلمهم ذلك؟‏

سبيله الوحيد، أن يمارس أمامهم الاجتهاد بعيداً عن الوحي وتعليماته، في كل من هذين المجالين المذكورين، وأن يؤكد لهم من خلال اجتهاداته هذه أن الحاكم مثاب باجتهاده وإن أخطأ، وأن اجتهاده وإن احتمل عدم موافقته للحكم الإلهي الثابت في تلك المسألة، يظل هو الحكم النافذ الذي يجب على الناس اتباعه، ذلك لأن ما انتهى إليه اجتهاد الحاكم يقوم مقام حكم الله تعالى في تلك المشكلة، إن أخطأه اجتهاده فليس عليهم إلا اتباعه، جمعاً للكلمة وتحقيقاً لواجب السمع والطاعة.‏

كل هذه قواعد وأحكام سلوكية هامة، بعث النبي عليه الصلاة والسلام لإيضاحها وتعليم عامة الناس وخواصهم كيفية تطبيقها والسير بمقتضاها. ولا يكون ذلك إلا بأن يمارسها أمامهم بشكل عملي، ويجعل من أول دولة إسلامية قامت في أول دار إسلامية ميداناً لتعليم ذلك كله والتمرين عليه. فإن أمر هذه الأحكام ليس أقل خطورة من الصلاة التي علمها أصحابه بالمنهج التطبيقي قائلاً: صلوا كما رأيتموني أصلي، وليس أقل خطورة من الحج الذي قال في حقه: خذوا عني مناسككم.‏

وبعد، فإنا إذا تفهمنا هذا المبحث الهام، وتذوقنا مستعينين بالضوابط العلمية، هذه الجوانب الثلاثة من شخصية النبي (، انعكست من ذلك آثار علمية هامة في حياتنا الإسلامية العامة. نلخصها فيما يلي:‏

أولاً: نعلم أن التطبيق الحرفي للسنة النبوية، ليس هو التفسير الصحيح دائماً لوجوب التمسك بها والرجوع إليها. بل ما أكثر ما يكون التطبيق الحرفي لها تنكباً عنها ومخالفة لها. وإنما المقياس المتبع في ذلك هذا الذي انتهينا الآن من بيانه باختصار.‏

ثانياً: ندرك بعداً جديداً هاماً لمعنى صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، ولمعنى المرونة التي أجمع العلماء على أنها من أهم مزايا هذه الشريعة السمحاء.‏

ثالثاً: نعلم متى وأين وكيف نطبق القاعدة الفقهية القائلة: تتبدل الأحكام بتبدل الأزمان. فإن هذه القاعدة لا تعني في يوم من الأيام، إمكان إدخال أي تبديل أو تغيير في نطاق الأحكام التبليغية التي دلت عليها السنة المطهرة، من خلال صدورها عن النبي ( بوصف كونه نبياً يبلغ عن ربه إلى الناس ما أوحي إليه.‏

وإنما هي تعبير عن المرونة التي تتسم بها الأحكام القضائية وأحكام الإمامة، على نحو ما تم بيانه في هذه العجالة السريعة، وطبقاً للضوابط التي يجب التقيد بها.‏

ولكم زل أناس في فهم هذه القاعدة، فبدلوا شرع الله بدون مسوغ، وجعلوا منها أداة تغيير وتبديل لكل ما لا يروق لأهوائهم من الأحكام.‏

أسأل الله تعالى أن يجعلنا خداماً صادقين لشريعته السمحاء، وأمناء مخلصين على سنة نبيه المطهرة، وأن يختم حياتنا بأحب الأعمال إليه، إنه سميع مجيب.‏

والحمد لله رب العالمين‏
د. محمد سعيد رمضان البوطي‏

لدكتور محمد سعيد رمضان البوطي. رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بجامعة دمشق.‏

من أبرز مؤلفاته: 1-ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية. 2-فقه السيرة. 3-كبرى اليقينيات الكونية. 4-نقض أوهام المادية الجدلية. 5-مسألة تحديد النسل وقاية وعلاجاً. 6-العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر. 7-محاضرات في الفقه المقارن. 8-من الفكر والقلب. 9-سلسلة رسائل بعنوان: أبحاث في القمة.‏

الحواشي:‏

(1) متفق عليه.‏

(2)تأمل ميلاد حقيقة “الأمة” ومقوماتها في هذا الدستور، وكيفية التعبير عنها بهذه الصياغة الدستورية العجيبة علماً بأن العرب لم يكونوا يعرفون قبل ذلك معنى لكلمة الأمة، وما كانت تستعمل في شيء من أحاديثهم، وإنما كانوا شيعاً وقبائل.‏

(3)ذكر ابن اسحاق هذه الوثيقة، أو الدستور، بدون إسناد. وذكره ابن خيثمة فأسنده: حدثنا أحمد بن جناب، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله كتب كتاباً.. فذكر ما ذكره ابن اسحاق. وذكره الإمام أحمد في مسنده فرواه عن ابن سريج قال حدثنا عباد بن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله كتب كتاباً.. الخ الحديث.‏

(4)أخرجه في التيسير عن أبي داود والترمذي. ولفظه في الترمذي: اجتهد رأيي ولا آلو، بدلاً من “أقيس الأمور بمشبهاتها. قال ابن القيم في أعلام الموقعين: هذا الحديث مما تلقاه العلماء بالقبول.‏

(5)الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام: ص 23 المطبعة المنيرية.‏

(6)انظر شرح الخرشي على مختصر خليل ج 7/167 وأعلام الموقعين لابن القيم: ج1/ 38.‏

(7)انظر كتاب أدب القضاء لابن أبي الدم بتحقيق الدكتور محمد الزحيلي ص 125.‏

(8)المرجع المذكور: ص 125.‏

(9)أصل قصة تحكيم سعد بن معاذ في يهود بني قريظة ورد في الصحيحين بدون هذا التفصيل.‏

(10)الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام: ص 6 و 7.‏

(11)انظر تفصيل ذلك في الأحكام السلطانية للماوردي: ص 16.‏

(12)انظر قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام: ج 1 ص70.‏

(13)انظر تفصيل هذه المعاهدة في صحيحي البخاري ومسلم.‏

(14)انظر المغني لابن قدامه: 5/460 ومغني المحتاج للشربيني: 2/361.‏

(15)انظر الشرح الصغير للدردير: 4/94 ط –دار المعارف بمصر والقوانين الفقهية لابن جزي: ص 255.‏

(16)رواه البخاري في كتاب النفقات ومسلم في القضاء.‏

(17)انظر الشرقاوي على التحرير: ج 2 ص351.‏

(18)انظر كشف الأسرار علي البزدوي 3/361 و 362 ونهاية السول في شرح منهاج الأصول للأسنوي ج 4 ص 357 وأصول السرخسي 1/95.‏

أهم المراجع المعتمدة لهذا البحث‏

-صحيحا البخاري ومسلم، وبقية السنن ومسند الإمام أحمد.‏

-الموافقات للشاطبي.‏

-قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام.‏

-الأحكام السلطانية للماوردي.‏

-أدب القضاء لابن أبي الدم بتحقيق الدكتور محمد الزحيلي.‏

-الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي.‏

-الطرق الحكمية لابن القيم.‏

-أعلام الموقعين لابن القيم.‏

-شرح الخرشي على مختصر خليل.‏

-الهداية للمرغناني.‏

-مغني المحتاج في شرح المنهاج للشربيني.‏

-المغني لابن قدامة.‏

-الشرح الصغير للدردير‏

-القوانين الفقهية لابن جزي.‏

-الشرقاوي على التحرير.‏

-كشف الأسرار على البزدوي.‏

-أصول السرخسي.‏

-الأحكام للآمدي.‏

-سيرة ابن هشام.‏

-عيون الأثر لابن سيد الناس.‏

-نظرية الدعوى للدكتور محمد نعيم ياسين.‏

-ضوابط المصلحة، للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي – كاتب البحث.

Advertisements
هذا المنشور نشر في مقالات المفاهيم العامة وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s