كيف ظهر صلاح الدين

دور الإمام الغزالي في ظهور صلاح الدين الأيوبي

*من كتاب هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس

هناك أناس علموا حقاً ما يعنيه تكليف الإنسان بمهمة عمارة الأرض ، الذي ابتدئ منذ خلقه ، بل وقبل ذلك حين قال الله عز و جل في قصة بداية الخلق للملائكة : (( إني جاعل في الأرض خليفة )) .ومن بين هؤلاء الإمام الحجة أبو حامد الغزالي ، الذي أحيى – ليس بالإحياء فقط – عقيدة أمة كانت قد شارفت على الهلاك في ذلك الوقت .

كانت قد أنهكتها الخلافات المذهبية ، وسوء فهم الدين ، وظهور الفرق التي خربطت عقائد الأمة في ذلك الوقت كالباطنية و الفلاسفة ، وسوء الأحوال الاقتصادية ، ونظام رأسمالي مشابة للذي نعيشه هذا الوقت ، يقوم على سوء توزيع الثروة ؛ أناس يموتون من الجوع و أناس يموتون من الشبع ، و ظهور أدعياء التصوف و القائلين بالحلول و الاتحاد ورفع التكليف ، وليس هذا فحسب ما كان يعاصره الغزالي فحسب إنما أكثر من ذلك مما هو مشابه لما نعايشه ، و قد استعرض الإمام تجربته الفريدة من نوعها في ( المنقذ من الضلال ) .

في هذا الوقت الذي تعفنت فيه عقائد الناس وأصبحوا (كالجاهلية همة أحدهم بطنه وفرجه ، لا يعرف معروفاً و لا ينكر منكراً ) لم يستطع الغزالي التوفيق بين هذه المنتاقضات ، فهو مدرس في المدرسة النظامية – أكبر صرح تعليمي في ذلك الوقت – ولكنه يدرس الدين في مجتمع بعيد عن الدين ، ويعيش بين علماء و لكنهم يقولون ما لا يفعلون ، ينهون عن الحسد و الكبر و العجب و قد أشربت نفوسهم به ، همهم الصراعات المذهبية و التقرب من السلطة السياسية فأصبحوا كموظفين الدولة .

عَلِمَ الغزالي أن هذا ليس هو مفهوم الدين الذي نزل به الحبيب صلى الله عليه وسلم ، وانسحب من هذا المجتمع واعتزل التدريس وترك جميع مناصبه ( مبدأ الانسحاب والعودة ) ، فلجأ لخاصة نفسه ثم أخذ بتغيير ما بأنفس الأخرين ، و تنقل الغزالي في هذه الفترة بين العديد من المدن ، وألف في هذه الفترة كتابه الشهير المنهج (الإحياء) الذي وضع فيه القواعد الصحيحة ، وربط فيه بين علم الظاهر ( الفقه ) وعلم الباطن ( التصوف )، وأعاد توجيه طرق تربية المجتمع التي كان خرابها سبب خراب المجتمع ، فهو لم يفصل بين الاثنين علم الظاهر و الباطن كما كان يفعل أغلبية علماء السلطة في عصره الذين ارتقوا بالفقه إلى السلطان .

واعتمد في محاولة لإعادة تقويم الواقع على القرآن و السنة ، بعيدا عن التعصب والقدح في المخالفين، واعتمد في تشخيصه لمرض المجتمع على الواقعية و عدم المداراة في الباطل ، وبشكل رئيسي على قوله تعالى : (( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ))حيث كان يضع هذه الأية نصب عينيه في كل حين .

ورغم أنه في وقت الغزالي كانت الحروب الصليبية تطحن في المسلمين طحناً ، إلا أنه لم يكن يحرض على الجهاد العسكري فقد خلت كتاباته من ذلك ، على عكس ما كان منتشر في ذلك الوقت من أشعار واستنفار لهمم ميتة بشعارات لا تغير في مجريات الأحداث .

وسبب ذلك أن الإمام كان يضع الأية السابقة نصب عينيه ، فهو أعلم بطريقة انتصار الأمم وكيقية خرابها ودوران الدائرة عليها ، وهو يعلم قوانين النصر التي أولها (( صحة العقيدة )) و العبودية لإله واحد وليس لأرباب متفرقون كما كان في ذلك الوقت ، (( أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ))

مع تبني الإمام لفكرة عدم الخوض في الجهاد العسكري مرحلياً ، كيف ظهر صلاح الدين الأيوبي الذي طرد الصليبيين بالقوة العسكرية ؟
مقدمة ظهور جيل صلاح الدين (( الذي يحول دون ظهور القيادة الواحدة القوية هو بقاء القيادات الضعيفة المتعددة المقيدة بقيم العصبية و الجاه الفردي و المكانة الاجتماعية و الرغبة في الهيمنة و التصرف في المقدرات العامة ،و الذي كان يحول دون رسوخ فكرة التضحية هو بقاء الأفراد و الجماعات مقيدين بتجاه الحرص على المكاسب و المتع الدنيوية .

وما من مطلب إصلاحي عام إلا وكان يحول دون تحقيقه وجود فكرة مضادة أو قيمة مناهضة ، تقيد عقول الأفراد و الجماعات ، وتوجه سلوكهم وتشكل علاقاتهم )) مثل ما يفعل المال و الجاه في وقتنا الحاضر . وهذا عين ما قام به أبو حامد الغزالي الذي كان يعالج قابيلة الهزيمة ( أسبابها ) بدل التباكي على مظاهر الهزيمة ( نتائجها ).

تشخيص الغزالي لأمراض العصر :

فساد رسالة العلماء : صلاح المجتمع وفساده يحدده العالقة بين السياسة و المجتمع ، فإذا كان هناك عقيدة راسخة صافية يدور في فلكها السياسة و الاجتماع ، وارتقى العلماء الممثلون لهذه العقيدة وأخلصوا و تجردوا واحتلوا المكانة الأولى في توجيه المجتمع صلح المجتمع وانتظمت الحياة . أما حين تدور العقيدة في فلك السياسة وتصبح الثانية تابعه للأولى ، يهبط العلماء الممثلون لها ليكون دورهم لي أعناق نصوص العقيدة بما يتوافق ورأي السلطان ، فيتسلل الخلل و الفساد للمجتمع حتى ينتهي للانهيار و السقوط .

وآثار هبوط العلماء هي :

1. الانشغال عن معالجة قضايا المجتمع الملحة ، بالقضايا الهامشية ، كالخلافيات و الجداليات ، مثل تركهم فروض الكفاية كالطب وانشغالهم بالفقه رغم كثرة الفقهاء كونه سلم للسلطان .

2. التعصب المذهبي واختفاء صفات طالب العلم الحقيقي وزكاة نفسه .

3. تفتيت وحدة الأمة بظهور المذاهب و الجماعات .

4. انتشار التدين السطحي بين علماء الدنيا ، و العوام ، وأدعياء التصوف ، أرباب المال الذين يحجون كل عام و جيرانهم جوعى .

وقد شخص الإمام في كل نقطة من هذه النقط تشخيصاً مفصلاً وافياً بما فتح الله عليه من دقة الفهم و الحكمة و التحليل و الاستنباط .
بعد أن شخص الغزالي الأدواء جعل هذا التشخيص مقدمة لاستخلاص ميادين العلاج

ميادين العلاج :

1. العمل على إيجاد جيل جديد من العلماء و المربين : (( الداء العضال فقد الطبيب ، فلأطباء هم العلماء وقد مرضوا في هذه الأعصار مرضاً شديداً عجزوا عن علاجه .. لأن الداء المهلك هو حب الدنيا ، وقد غلب هذا الداء على الأطباء فلم يقدروا على تحذير الخلق منه استنكافاً أن يقال لهم : فما بالكم تأمرون بالعلاج وتنسون أنفسكم ؟ فبهذا السبب عم على الخلق الداء و عظم الوباء و انقطع الدواء))كما قال الغزالي في الإحياء. وقد وضع الإمام الشروط التي يجب توافرها فيمن يقوم بتطبيب الناس من مرض الدنيا .

2. وضع هدف جديد في التربية و التعليم ومنهاج مؤدي لهذا الهدف . فبدل أن يكون الهدف من التعليم هو تخريج موظفين للدولة يتولون المناصب الدينية ( علماء دنيا) ، وضع منهاج يخرج علماء الأخرة الذين يطبقون أهداف الدين ومفهومه الحقيقي . وهذا المنهاج هو منهاج متكامل يصلح لأن تقوم عليه أنظمة اجتماعية ومدارس تربوية كاملة في أي عصر ، وما أحوج عصرنا لمثل منهاجك يا الغزالي .

3. إحياء رسالة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر : وهو مفهوم يختلف عن مفهوم مؤسسة الحسبة اختلافاً كلياً ، فالحسبة مؤسسة تابعة للسلطة ، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر سلوك واجب على كل مؤمن لذلك أطلق عليه الإمام ( القطب الأعظم في الدين ) فيبدأ فيه المرء بنفسه فجيرانه فأهل مدينته فالمدن الأخرى فأهل البوادي ( وهكذا إلى أقصى العالم ، وإذا قام به الأدنى سقط عن الأبعد … ولا يسقط الحرج ما دام يبقى على وجه الأرض جاهل بفرض من فروض دينه )) كما قال في الإحياء ..

4. نقد السلاطين الظلمة : وخاصة سياساتهم المالية ، ولذلك حرم قبول أُعطياتهم و الاستفادة من مرافقهم التي يبنوها إلا ما كان مؤقتاً على سبيل الحاجة الماسة ، لأنها من مال حرام ، وكذلك الدراسة في مدارسهم ، وأي تعامل معهم أو مع معاونيهم من شرطة و قضاة وغيرهم ، أو التجارة في أسواقهم غفر الله لنا .

5. محاربة المادية الجارفة و السلبي الدينية ، وتصحيح التصور السائد عن الدنيا و الأخرة : المادية و السلبية سببها اختلال العلاقة بين الإنسان و الدنيا و عدم المعرفة من الحكمة من خلق الله للإنسان و الدنيا و الأخرة . و التصور الصحيح هو أن الإنسان يتزود من أشياءها تزود المسافر أو ( (( الغريب )) ) فيتناول منها ما يساعده في رحلته إلى الأخرة فقط ، مما لا يبقي لها محلاً في قلبه ..

6. الدعوة للعدالة الاجتماعية و إرساء مبادئ الاقتصاد الإسلامي: وبنى آراءه على أن (( المال آلة صبها الله في أيدي عباده لتكون عوناً آلة لدفع حاجاتهم و وسيلة لتفرغوا لطاعاتهم )) , أن (( في المال حق سوى الزكاة )) ، إضافة لمبادئ الاقتصاد الإسلامي الأخرى .

7. محاربة التيارات الفكرية المنحرفة : و التي تمثلت في لك الوقت بالباطنية التي نشأت كأديولوجية سياسية من قبل الأكاسرة لاسترجاع ملكهم الذي سلب بالفتوحات الإسلامية ، و الفلاسفة الذين تشربوا الفلسفة اليونانية بما فيها من حكمة وإلحاد وفي الوقت ذاته ، ووثنية أحياناً أخرى ، فظهر منهم من يرفع نفسه في مكنة الأنبياء ويهمش الذات الإلهية سبحانه وتعالى عما يصفون .

تناقل تلاميذ الغزالي فكره السليم جيلاً بعد جيل و انتشروا في كل مكان ينشرون هذا الفكر النوراني ، حتى تغيرت لأفكار المجتمع وظهر علماء حقيقيون ، وخطو الخطوات الصحيحة ، نحو أمة إسلامية قادة للأرض ومعمرة لها ، وخلفاء حقيقيون يعمرون الأرض بالعبودية لله وحده ، لا للسلطان و لا للمال ولا للنفس ولا للشيطان . وبعد هذه الغربلة الفكرية كان لازماً أن يتحقق وعد الله جعل وعلى بتغيير ما في القوم من ذلة للأعداء ونكوص وانكسار ، بعد أن غيروا ما بأنفسهم وتابوا توبة جماعية نصوح ، فأدت المدارس التي تنشر فكرة الإسلام الحقيقي ، إلى تخريج قيادات سياسية وعسكرية إدارية ، فظهرت الدولة الزنكية الأيوبية ، وكانت تجمع بين الإخلاص في العمل و الطريقة الأفضل في أداءه ، فتشكلت دولة إسلامية حقة تذكرنا بالدولة الإسلامية أيام الخلافة الراشدة ، كتب الله على يديها الفتوحات ، التي تتوجت بفتح القائد صلاح الدين الأيوبي للقدس ، وهكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس …

Advertisements
هذا المنشور نشر في صلاح الدين القائد والمرحلة وكلماته الدلالية , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s