ما بين الثورة و الفتنة – هل نتدبر ونفهم أم يأخذنا الحماس

بسم الله الرحمن الرحيم

هناك مقولة: الثورة يصنعها المفكرون ويقوم بها الشجعان ويقطف ثمرتها الجبناء

ما مدى صحة هذه العبارة ؟

مثلاً قامت الثورة الفرنسية على فكر اساسه تقليص سلطات الملك المطلقة ومشاركة الشعب بكافة طبقاته في الحكم من خلال تصور لما يعرف اليوم بالنظام البرلماني الذي كان سقف المطالب في بداية الثورة هو مشاركة الشعب للنبلاء والملك في الحكم وقد عم هذا الفكر في كافة دول أوربا خاصة والعالم عامة حتى الدول الملكية منها بشكل متفاوت، فمثلاً  بريطانيا الملكية ينقسم برلمانها إلى فئتين فئة اللوردات وفئات الشعب، وأفضل تطبيق لما تطرحه النظرية التي قامت على أساسها الثورة الفرنسية هو الوصول لمفهوم الجمهورية لتحقيق مبدأ أن يحكم الشعب نفسه بنفسه.
هذا بالإضافة إلى ما نتج عن الثورة من بلورة وتأطير لمفاهيم الحرية وحقوق الإنسان

بدورها الثورة البلشفية قامت على مفاهيم الفكر الماركسي وما سمي وقتها التوزيع العادل للثروات والتأميم لتكون الدولة مشرفة على المرافق الأساسية لمراقبة المبادئ الاشتراكية وأفضل تطبيق لما تطرحه النظرية التي قامت على أساسها الثورة البلشفية التي امتدت لدول عديدة وخلقت ما عرف بالمناضلين الأممين هو الوصول لمفهوم الشيوعية.بعد انهيار الاتحاد السوفيتي قامت ثورات مضادة فثورة رومانيا مثلاً قامت للانتقال من الاشتراكية للراسمالية بالإضافة لهدف الإطاحة بالدكتاتور الذي ضاق الناس به ذرعاً لعدم تطبيقه لمبادئ الاشتراكية التي يحكم باسمها على نفسه، وكانت هذه الثورة ضمن ما سمي بثورات أوربا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانفصال بعض الدول وانتقالها لاقتصاد السوق المفتوح .

لكن ماذا عنا وماذا عن ثوراتنا؟

أما في بلادنا فكون مفكريننا للاسف طوال عقود لم يفعل معظمهم -حسب متابعتي- سوى النقد والنقض وتعليق الأخطاء على العلماء تارة والاستعمار تارة والحكومات تارة أخرى دون أن يقدم أحد تصوراً لأنظمة فكرية وسياسية واقتصادية بديلة حسب مفهوم علمي،  بل للاسف فإن غالبية ما على ساحاتنا الفكرية هو تنازع بين أفكار مستمدة من الخارج أو دعوات للدولة الاسلامية التاريخية حسب مفهوم الخلافة أو مفاهيم مشوشة عن استبدال الديمقراطية بالشورى وما إلى ذلك من طروحات لم ترق بعد لتكون برامج عمل، أما مفهوم إعادة دولة الخلافة والتي تراجع أغلب التيارات الاسلامية السياسية عنها في الآونة الأخيرة مع بداية نجاح الحركة التركية الآن باستثناء من يطلق عليهم “المتطرفون أو الارهابيون بعد أن كانوا يعرفون بالمجاهدين حتى أمد ليس بعيد” فقد اضمحل

وبسبب عموم لفظة المفكر الاسلامي على كل من هو مسلم ألف كتاباً أو كتابين أو عشرة لافكار هلامية غالبيتها نقدية دون تصورات بديلة وفي أحسن الأحوال تصورات متفرقة لقضايا جزئية دون سبك مجمل سوى أنهم يقولون لنا ليل نهار يجب أن ننهض كأمة لكن دون أن ندري كيف فإن سألت بعضهم (حتى لا نعمم) قال لك لنبدأ بهدم الفكر المتخلف أولاً ثم نفكر، وبالطبع كل مخالف لفكرهم هو متخلف حتى ولو كان من كبار علماء الأمة

الآن وبعد أن عمت موجة الثورات كما تسميها وسائل الاعلام وكوني بعيد لا أقوى على عمل شيء على الأرض ولا أعرف الظروف الحقيقية، وبسبب كوني ممن تاهت بوصلتهم بين المفاسد والمصالح لنقص المعلومات الموثوقة، فآثرت الصمت بدل التحريض أو التثبيط أو التهدأة أو التحفيز حسب ما يختار كل فريق ليسمي نفسه ويلقب الفريق الآخر وقررت أن أركز على العمل ضمن ما أقدر عليه من ازدياد في العلم الدنيوي والديني مركزاً على الدعاء ونقل كلام أهل الاختصاص

لفهم ما يجري ربما علينا العودة لكتاب الله فهو الفكر الوحيد الذي يقود حياة المسلم بالاستعانة بالأمينين عليه من علماء ربانيين بعيداً عن أهل الفكر والاعلام والتنظير الفارغ فقد مللتهم وقد كنت من متابعي كبارهم

اليوم أظن أن المقولة الأنسب: الثورة بيد الله ويقوم بها الشجعان ويحاول أن يفهمها ويفتي فيها المفكرون وهم في صوامعهم قاعدون والله وحده يعلم من سيركب موجتها فالمتزلجون كثيرون فمنهم من يجعل كلماته إكسير الشهداء ومنهم من نزل الميدان فعلاً لكن ليأخذ صوراً للثورة أو لنفسه مع الثوار ومنهم من أسرع لتأييد كل الثورات عن بعد وهو مقيم في بلد هادئ أوربي أو عربي فإن نجحت فهو أحد أهم أسباب النجاح وإن فشلت فخصومه الفكريون من علماء وشيوخ ومفكرين رأوا الحق في التهدئة وحقن الدماء مستندين على فقه الحديبية هم السبب ومنهم من سميوا المتحولين، طبعاً لا ننكرأن منهم شرفاء شاركوا بالقول والفعل وهم في قلب المعمعة كما في الشيوخ أو النخب المثقفة الذين نزلوا الميدان بمصر موجهين لا راكبين للثورات، ومنهم موقفه مشرف وليس ركوباً للثورة أبداًوإن كان ممن لم يستطع النزول لبعده لكنه ممن عرف بمواقفه الثابتة والمتوازنة مثل وجدي غنيم وغيره

أعتقد أننا حتى نفهم ما يحدث يجب أن نتدبر مايلي:

1- يقول تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ

والأمر نسبة وتناسب فكلما اقتربت الأمة من الله قولاً وعملاً قرّبها الله من وعده في استخلاف المؤمنين والتغيير من الله على قدر تغييرنا لما بأنفسنا بالمعنى الشامل لكل نواحي الحياة

مثلاً سقوط مبارك ليس هو كل التغيير ولا يعني أن مصر أصبحت أمة ناهضة بل يعني أن الحجة التي كان يتحجج بها كل من لا يعمل قد سقطت بأمر الله وآن آوان البدء بالبناء والعمل فلا حجة بعد الآن

“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””

2- يقول تعالى ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) وعن ابن عباس ، في تفسير هذه الآية : أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين ظهرانيهم إليهم فيعمهم الله بالعذاب .

عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهل ، …عن حذيفة بن اليمان ؛ أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : والذي نفسي بيده ، لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده ، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم . ورواه عن أبي سعيد ، عن إسماعيل بن جعفر ، وقال : أو ليبعثن الله عليكم قوما ثم تدعونه فلا يستجيب لكم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، حدثنا جامع بن أبي راشد ، عن منذر ، عن حسن بن محمد ، عن امرأته ، عن عائشة تبلغ به النبي – صلى الله عليه وسلم – : إذا ظهر السوء في الأرض ، أنزل الله بأهل الأرض بأسه . قالت : وفيهم أهل طاعة الله ؟ قال : نعم ، ثم يصيرون إلى رحمة الله .

فإن كان ما نحن فيه فتنة فسببه التقصير في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

ومم له صلة: حديث سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر ، أمره ونهاه ، فقتله طبعاً كلمة الحق عند السلطان الجائر تعني أن يؤمر بالعدل فإن أصلح فقد نجا وأنجا وإن عتى فقد هلك وأهلك أما خلع الحاكم فلابد له من فقه وهو بيد الله وحده كما يتضح في النقاط 3-5-6  ممايلي

أيضاً انظر هنا

“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””

3- يقول تعالى : إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدئ ويعيد وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد

البطش مع العفو فمن طغى فمن رحمة الله أن يرسل له ما يذكره فقد ارسل موسى عليه السلام ليقول لفرعون قولاً ليناً لعله يرجع عن جبروته  فإن عاد غفر له الله وإن زاد قصمه الله

ومم له صلة قوله تعالى: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى – فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى – قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى – قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى – فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى – إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى

“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””

4- جاء في الحديث : ( اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام ، يقول الله : وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين ) رواه الطبراني

قيل ليحيى البرمكي وهو في السجن يا أبت أبعد الأمر والنهي صرنا إلى هذه الحال، قال لعلها دعوة مظلوم سرت بليل غفلنا عنها ولم يغفل الله عنها.ولكل مظلمة عقاب فمن زاد ظلمه زاد عقابه فمنهم من عجل الله له رحمة به من عذاب الآخرة ومنهم من يمد الله له ليكون عذاب الآخرة أكبر وأشد

“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””

5- رأي قديم للأزهر لما يسمى جبهة علماء الأزهر 2001 وهي جمعية مهمشة خصوصاً بعد خلاف شيخ الأزهر السابق معها في مصر ولها موقع الكتروني ومقر في الكويت الآن

مابين الخروج والبقاء

ما بين سيد الشهداء من قال كلمة حق عند سلطان جائر وبين لا يجوز الخروج على السلطان

http://www.jabhaonline.org/index.php?option=com_content&view=article&id=521%3A2011-01-24-14-51-19&catid=27%3A2009-10-16-18-46-20&Itemid=65

وملخصه

أن دائرة النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مضادة لدائرة الخروج على الحاكم، فالأصل وجوب النصح، والأصل أيضا هو حرمة الخروج، ولذا عُنِي الفقهاء بالأصل الأول – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- فتوسعوا فيه توسعة كبيرة جدا، وضيقوا في الثاني – الخروج علي الحاكم- ،فلم يجيزوا الخروج إلا بتحقق شرطين متلازمين:

الأول: تعطيل شرع الله، وظهور الكفر البواح، الذي قام عليه الدليل والبرهان.

الثاني: القدرة على إقامة الشرع ومحو الكفر، وإزالة من أمر  به- يعني الكفر-  إذا لم يؤد ذلك إلى شر وفتنة أعظم.

ثم أردف البيان قائلا:  إن الزجَّ بالشريعة وعلمائها في ميدان الطاعة المطلقة، والترهيب بالخروج على الحكام مطلقا، وهو يظهر العلماء بصورة المخذلين ،والمثبطين، والمجملين لوجه الظلم وأعوان الظالمين  وموقعهم على مر التاريخ  هو نصرة المظلومين ، وغياث المستضعفين، ورأس الحربة في مواجهة الظالمين، وكانوا نصرة للفقراء والمستضعفين، وهم اليوم في التاريخ الحديث قادة ثورات التحرر الوطني من الاستعمار، وهم الذين أعلنوا الخروج عليه وما استكانوا حتى خرج مخذولا بقوة السلاح، والله أعلم.

لذلك نقول لأمتنا الخارجين على الظلم على وفق ذلك :

– اخرجوا فلن تكونوا  أبدا نملا

“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””

6- {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }آل عمران26

فالله غالب على أمره وهو وحده من بيده الملك فليعمل كل على شاكلته فلن يكون إلا ما اراد الله

“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””

7- يجب أيضاً ألا ننسى قول الله تعالى (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ )صدق الله العظيم

وهنا صدق التوجه مهم فالخارج نصرة لله متبعاً لشرع الله حسب قدرته غير الخارج ثأراً أو إعجاباً بالكثرة فإن تنصروا الله ينصركم هو شرط النصر من الله

وهنا يحضرني  ماروي من انه احضر بين يدي سيدنا عمر رجل سكران، فأمر أن يمد ليضرب فشتمه السكران، فرجع عمر عنه فقيل له لم تركته يا أمير المؤمنين، لما شتمك؟ قال: لأنه لما شتمني غضبت، فلو ضربته لكان ذلك لغضبي لنفسي لا لربي ويروى مثل هذا القول لعلي بن أبي طالب لما أمكنه الله من عمرو بن ودّ، فبصق في وجه علي, وعلي رافع سيفه ليقتله فتركه سيدنا علي فقالوا له لما تركته؟؟ قال: خفت أن يكون قتلي له من اجل الانتقام لنفسي فيذهب أجري

“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””

في النهاية نسأل الله أن يقيض لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر
اللهم احقن دماء المسلمين وآمر روعاتهم وردنا وجميع المسلمين إلى دينك رداً جميلاً

تنويه المقالة عبارة عن ملاحظة (نوت) كتبتها أثناء الثورة المصرية في الثاني من فبراير شباط 2011 لكن أظمها تصلح كمحاولة لفهم كل الثورات التي تحصل في بلاد المسلمين اليوم

صلاح الدين الحسني

Advertisements
هذا المنشور نشر في مقالات المفاهيم العامة وكلماته الدلالية , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s