منهج القائد السلطان صلاح الدين في الاصلاح

بقلم : الشّيخ محمد خير الطرشان

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم، على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح علينا فتوح العارفين، ووفقنا توفيق الصالحين، واشرح صدورنا، ويسّر أمورنا، ونوّر قلوبنا بنور العلم والفهم والمعرفة واليقين، واجعل ما نقوله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا برحمتك يا أرحم الراحمين.

وبعدُ أيها الإخوة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

^ مقدمة :

أ- التغيير شرط للتخلص من الغفلة، وتحقيق النهضة:

تكلمنا عن الغفلة عن الله سبحانه وتعالى، وتعرضنا إلى منهج الإمام الغزالي – رحمه الله تعالى – في الإصلاح، وأنه اعتمد نقطتين رئيسيتين؛ النقطة الأولى: نظر إلى نفسه، وإلى ذاته، فبدأ منهج التغيير، وتخلى عن كثير مما كان عليه قبل تلك المرحلة. انتقل إلى الزهد، وإلى التصوف، وإلى الإعراض عن الدنيا، وإلى الإقبال على الله سبحانه وتعالى. وأما المنهج الثاني فإنه بدأ يفكر في أمراض الأمة، وخاصة أمراض القلوب؛ كالكِبْر، والرياء، والعُجْب، والحقد، والحسد، والبغضاء، والضغينة، وكل ما يفسد ويشوش على المسلم صلته مع الله سبحانه وتعالى، أو يؤدي إلى قطيعة بينه وبين الناس. من خلال ما أشرنا إليه في الدرس السابق، وانطلاقاً من الواقع الذي نعيشه في هذه الأيام، بعد أن أكرم الله سبحانه وتعالى إخواننا في غزة بالثبات والنصر والتمكين، وأنهم قاوموا واستبسلوا أمام العدو الصهيوني، وقدموا أرواحهم في سبيل الله تعالى، ولم نسمع عن أي حالة من الخلل، أو التخلف، أو التراجع عن الجهاد في سبيل الله تعالى. مما تقدم نستنتج أمرين رئيسيين، ودرسين عظيمين مهمَّين؛ الدرس الأول: هو لقادة الرأي، والفكر، والتنظير في الأمة الإسلامية كلها؛ أن منهج التغيير في القرآن الكريم، الذي بسطه ربنا سبحانه وتعالى، وحدده في قوله:[]…إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ…[] سورة الرعد (11). هذا المنهج نحتاج إليه في هذه الأيام؛ لكي نتخلص من الغفلة التي نعيشها، ولكي نفكر في مشروع النهوض والارتقاء بواقع هذه الأمة، منهج التغيير في النفس، منهج التغيير في الذات، منهج التغيير في الأفكار، منهج التغيير في العقائد الفاسدة، منهج التغيير في الاتجاهات المنحرفة التي يلجأ إليها بعض الناس بين الحين والآخر. إذاً.. قادة الفكر، وقادة الرأي، وقادة التنظير في الأمة الإسلامية عليهم أن يُحيوا منهج التغيير، وسنة التغيير في هذا الكون، فلْنبدأ بتغيير أحوالنا، وتغيير أنفسنا، وتغيير اتجاهاتنا، وتغيير أفكارنا التي فسدت، وأنشأت جيلاً عاش حالةً من التراكم في التراجع، والتخلف، وترْكِ المنهج السليم السديد. لذلك نلاحظ أننا خلال أجيال متعاقبة نشأت، هذه الأجيال أصبحت تنظر إلى الهزيمة على أنها شيء عادي، تستمرئ الهزيمة، وأصبحت تتعايش مع الذلة، وأصبحت لا تفكر بمستقبلها، وبخيرية هذه الأمة التي جعلها الله سبحانه وتعالى مِيْزة لها على سائر الأمم:[]كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ…[] سورة آل عمران (110). فلا بد إذاً يقود التغيير قادة الرأي، والفكر، والتربية، والتنظير في هذه الأمة، وأن يغيروا من مناهج تنشئة أطفالنا، وأولادنا في المدارس الابتدائية، والإعدادية، والثانوية، والجامعية؛ حتى يعود لهذا الجيل ألقه، ويتكامل، ويصبح جيلاً مُهيَّأً للنهضة، ويحمل على عاتقه مسائل الإصلاح الفكري، والإصلاح الاجتماعي، والإصلاح العقدي. هذه مسألة أولى.

ب- ذكر الله تعالى شرط للثبات في المعركة:

وأما المسألة الثانية: فهي درس يستفيده القادة السياسيون، والعسكريون في أمتنا الإسلامية، يتمثل في الثبات. هذا الثبات منهج قرآني، أيضاً بسطه القرآن الكريم، وحدده ربنا سبحانه وتعالى بقوله:[]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ[] سورة الأنفال (45). نلاحظ أيها الإخوة أن هناك اقتراناً واضحاً بين الحث على الثبات، وبين الحث على ذكر الله سبحانه وتعالى، ذكر الله حياة للقلوب، ذكر الله سبحانه وتعالى نورٌ للقلوب والأفئدة، وللأبصار والبصائر. هل نتصور أن يثبت في المعركة من كان قلبه ميتاً؟ من كان قلبه مُعرضاً عن الله؟ من كان قلبه في حالة غفلة عن الله سبحانه وتعالى؟! أبداً! إذاً.. الذين يثبتون في المعركة لا بد أن تكون قلوبهم منوّرة بذكر الله، عامرة بالإيمان؛ لأن ذكر الله جِلاءٌ لِما في الصدور، جِلاء للهموم والأحزان، ذهابٌ لكل الضيق الذي يعيش في صدر بعض الناس، والله سبحانه وتعالى، عندما أمَرنا أن نذكره كذكرِنا آباءَنا، أو أشدّ ذكراً؛ فلكي يعيش المؤمن حالةَ تواصلٍ مع الله سبحانه وتعالى، لذلك هدّدَنا: إذا أعرضنا عن ذكر الله بالمعيشة الضَّنك، بمعيشة المشقة، والشدة، والكآبة، والقلق، والاضطراب:[]وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى[] سورة طـه (124). إذاً.. من يثبُت في المعركة ينبغي أن يكون من أهل الذكر، ومن أهل القرآن، ومن أهل الاستقامة، ومن أهل قيام الليل، ومن أهل التهجد في الأسحار، ومن أهل التلذذ في خطاب الحق سبحانه وتعالى. ألم نسمع أن أولياء الله الصالحين قالوا عن أنفسهم، وهم يصفون حالة التذوّق، وحالة التلذذ التي يعيشونها مع الله سبحانه وتعالى؟: “نحن في لَذّةٍ لو عرفها الملوك، لجالدونا عليها بالسيوف”. إنهم يصفون حالهم مع الله سبحانه وتعالى بأنه حال من الوصال الدائم، وأنهم لا يغيبون عن الله، ولا يغيب الله عنهم، لذلك لو علم الملوك – أهل الدنيا، وأهل اللَّذاذات والملذات الشخصية – هذا النوع من اللذة، ولو تذوقوه، لَقاتلونا وجالدونا عليه بالسيوف؛ حتى ينالوا تلك المتعة التي يحصّلها أهل الله سبحانه وتعالى. نعم أيها الإخوة، أهل الله لهم مقامات، ولهم أحوال، ولهم صلة بالحق سبحانه وتعالى، تتجلى من خلال الحوار، ومن خلال الخطاب، ومن خلال قراءة القرآن. نعم.. نقرأ في القرآن الكريم أن سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام، لما دخل في طور سيناء، قال الله تعالى له: []…فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوى[] سورة طـه (12). المراد بالنعل هنا أمران؛ النعل الحقيقي: الذي يلبسه الإنسان، وهو الحذاء، وربما كان يحمل في أسفله أذىً، أو نجاسة، أو غير ذلك. وأما المعنى الثاني: فهو الدنيا، والتعلق بها، الدنيا وزينتها، الدنيا وكل ما يشوش الإنسان عن الله سبحانه. اخلع نعليك: أي اترك همّك، اترك دنياك وراء ظهرك، تخلَّ عن كل ما يشغلك عن الله سبحانه وتعالى، وهذا ما فعله سيدنا موسى عليه السلام، خلع نعليه خارجَ طور سَيناء، وتفرّغ وتهيأ لتلقّي الخطاب من الله سبحانه وتعالى. لذلك وصفوه بأنه كليم الله، أي الذي كلمه الله سبحانه وتعالى، فقال له:[]وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى[] سورة طـه (17). كان سيدنا موسى يحمل بيده عصا بشكل دائم، فقال:[]هِيَ عَصَايَ…[] سورة طـه (18). هي عصاي.. كلمتان: مبتدأ وخبر، فلو أن سيدنا موسى اكتفى بهذا الجواب كما يقول المفسرون، لكان جواباً واضحاً، لا يحتاج إلى مزيد من الإيضاح، لكن سيدنا موسى عليه السلام تذوق حلاوة الخطاب مع الله سبحانه وتعالى، فرغب بأن يُطيل مدة الحوار، والخطاب، والكلام مع الحق تبارك وتعالى، فقال:[]قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى[] سورة طـه (18). أطال الكلام تمتعاً وتلذذاً بالحوار مع الله سبحانه وتعالى، وختم الجملة الثالثة بكلمةٍ نكرة، والنكرة إذا جاءت في سياق الكلام تدل على العموم، وعلى الاتساع، وعلى أنها تستثير السؤال، يعني كأنما سيدنا موسى عليه السلام طمع أن يسأله الله تعالى: وما هي المآرب يا موسى؟ فيعود موسى عليه السلام لخطاب الله وكلامه من جديد، فيستمتع ويستغرق باللذة والنشوة في خطاب ربنا تبارك وتعالى. إذاً.. هكذا الصالحون شأنهم مع الله، يبيتون في ليلهم مع الله سبحانه وتعالى ذاكرين، قائمين، ساجدين، راكعين، مستغفرين، مكبّرين، مهللين، يذكرون الله، ولا يستوحشون أبداً. قيل لأحد أولئك الذاكرين الذين يُطيلون الخلوة بين يدي الله سبحانه وتعالى: أما تستوحش؟! فقال: كيف أستوحش وهو يقول: “أنا جليس من ذكرني”؟! أين هي الوحشة إذا كنت مع الله؟! والإمام ابن القيم – رحمه الله تعالى – يقول: “في القلب وحشة لا يزيله إلا الأنس بالله” والأنس بالله لا يكون إلا بذكر الله سبحانه وتعالى، وكذلك كان أهل الله، وكان المجاهدون في سبيل الله، والمقاتلون الذين يريدون الثبات في المعركة، وفي ساحة القتال، لا بد أن تكون قلوبهم على هذا النوع من ذكر الله، وعلى هذا النوع من الحياة، تكون قلوبهم يقظة، حيّة بذكر الله سبحانه وتعالى. إذاً.. الدرس الذي ينبغي أن يُفيده القادة السياسيون، والعسكريون، والزعماء الذين يتولون قيادة الأمم؛ أن يكونوا في حالة ذكر مع الله سبحانه وتعالى، لكي يفقهوا معنى الثبات في لقاء العدو، ومعنى الثبات في مواجهة العدو، ومقاومته، ورد عدوانه، كما فعل أهلنا وإخواننا الأبطال في غزة الصامدة، بارك الله فيهم، ورحم الله شهداءهم. أيها الإخوة: عبر التاريخ، ثبت أن كثيراً من البطولات، والانتصارات التي تحققت، لم تتحقق بالجيوش النظامية، وإنما ساهم فيها المقاومون، أو من يُسمَّون بالثوار، أو أولئك المجاهدون الذين نشؤوا، وعاشوا، وتربَّوا في مدارس الذكر، ومدارس التصوف، ومدارس التصفية للنفس، وللروح، وللقلب، وإخلاص العمل لله سبحانه وتعالى، على مبدأ قول الله سبحانه وتعالى:[]…إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه…[] سورة فاطر (10). كثيرٌ من المفسرين قالوا: إن المراد بالكلم الطيب: الصواب من العمل. والعمل الصالح يرفعه: الإخلاص في العمل. فكل رأي صواب، وكل عمل صواب يؤدي إلى القبول، ويؤدي إلى أن يُقبل، يُتَقبل عند الله سبحانه وتعالى، فالصواب من العمل يحتاج إلى إخلاص في العمل، والصواب في القول يحتاج إلى إخلاص في القول؛ حتى يتكامل الأمران معاً، ويتقبل الله سبحانه وتعالى من المتقين.

^ صلاح الدين الأيوبي مشروع للنهضة:

في العهد الذي كان فيه السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى، من جملة من وقف معه في معركة حطين مجموعة من المتطوعين، نشؤوا في مدارس الذكر، في مدارس التصوف، في مجالس تصفية النفس، في مجالس التخلي عن الشهوة، واللذة، والدنيا….. والإقبال على الله سبحانه وتعالى، وهذا يؤكد أن المنهج الذي أسسه الإمام الغزالي – رحمه الله تعالى – في نهايات القرن الخامس الهجري، قطف ثمارَه في بدايات القرن السادس الهجري صلاح الدين الأيوبي؛ السلطان الفاتح الذي ملّكه الله سبحانه وتعالى كلاً من مصر والشام في آنٍ واحد.

صلاح الدين الأيوبي – رحمه الله تعالى – كان وزيراً في الدولة الفاطمية في مصر، ولما أن مات الخليفة الفاطمي في مصر، تولى الخلافة مكانه، ولما أن جاء إلى الشام، ومات نور الدين زنكي – رحمه الله تعالى – أيضاً تولى الخلافة مكانه، فأصبح ملكاً على كلٍّ من مصر والشام، وقاد جيوشاً عظيمة بما أوتي من علم، وحلم، وتقوى، وعدل، وصلاح، واستقامة، ومن حال صدق مع الله سبحانه وتعالى. نعم.. صلاح الدين هو جزء من درسنا هذا اليوم، نتحدث فيه عن البطولات التي قام بها، والفتوحات التي فتحها.

^ ما هي الأسباب التي جعلت صلاح الدين الأيوبي قائداً ناجحاً؟

أ- زهده، وتعبّده لله تعالى، وشدة القرب منه:

ما هي الأسباب التي جعلت صلاح الدين في هذا المستوى من القيادة الناجحة؟ في هذا المستوى من التألق؟ في هذا المستوى من الإصلاح؟ صلاح الدين قاد مجموعة من الإصلاحات على مستوى العقيدة، فقد كان شافعيَّ المذهب، أشعريَّ العقيدة، وكان رجلاً متصوفاً، وزاهداً في الدنيا. على مستوى الإصلاح العسكري: وضع خططاً لجيوشه، وكان أساس هذه الخطط الثبات في المعركة، والتسامح أيضاً، فلم يكن صلاح الدين من القساة، ولا من الغلاظ، وكان يقاتل في سبيل الله تعالى، ويحمل أخلاق الإسلام، ويؤكد ذلك أنه لما بلغه مرض عدوه؛ الملك الإنكليزي ريتشارد (قلب الأسد)، ماذا فعل صلاح الدين، أرسل إليه الثلج المبرّد؛ حتى يستشفي به. هذا العمل لا يفعله إلا من كان قلبه عامراً بالإيمان، وواثقاً بالله سبحانه وتعالى، بأن النصر يتحقق لا محالة، طالما أنه يتقي الله سبحانه وتعالى في كل أعماله، وفي كل أحواله. صلاح الدين، ترجم له كثيرٌ من أهل العلم، فقالوا فيه: “هو الزاهد، الورِع، التقي، النقي، بركة أهل زمانه”. كان رجلاً مباركاً، كان رجلاً صالحاً. وهذا ما أثبته الإمام “السُدّي” في كتابه “الطبقات”. كذلك نشأ صلاح الدين، وترعرع في بيئة يغلب عليها طابع التصوف، وكلمة التصوف كلمة أُسيء فهمها في زماننا، لعل الذي ساهم في إساءة فهمها بعض المتطفلين على التصوف، بعض أدعياء التصوف الذين تكون أقوالهم في وادٍ، وأحوالهم وأعمالهم في وادٍ آخر، أولئك الذين لم يستطيعوا الجمع بين النظرية والتطبيق، التصوف الحقيقي أيها الإخوة إنما هو تصفية القلب لله، إنما هو السلوك الحسن، إنما هو مقام الإحسان، مقام المراقبة، المقام الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك” صحيح مسلم. من وصل إلى هذا الحال فهو الصوفي الصادق. والتصوف الحقيقي وصفه الإمام “الجنيد” – رحمه الله تعالى – بأنّ طريقَنا هذا قائم على الكتاب والسنة، على الجمع بين الكتاب والسنة. فلا يمكن أن يكون بينهما تعارض، أو تضادّ، أو اختلاف أبداً. وحينما نرى أحوالاً تخالف القرآن، وتخالف السنة، فهذا دليل على أن من يفعل هذه الأفعال بعيد كل البعد عن منهج الشريعة، الذي هو منهج التصوف حقيقةً، والتصوف السليم الذي نجده عند الإمام “ابن القيم” – رحمه الله تعالى – في كتابه “مدارج السالكين”، التصوف الحقيقي الذي نجده عند الإمام “الغزالي” – رحمه الله تعالى – في كتابه “الأربعين في أصول الدين”، وفي كتابه “إحياء علوم الدين”، التصوف الحقيقي نجده عند الإمام “ابن عطاء الله السكندري”، في “حكمه” الرائعة، التي تجعل القلب يزداد إيماناً، ويتنور بكلام أهل الله والصالحين، التصوف الحقيقي نجده عند الإمام “القشيري” – رحمه الله تعالى – في “الرسالة القشيرية”. هذه الكتب أيها الإخوة هي  التي ينبغي أن يُنشّأ عليها الجيل في منهج التغيير، والمناهج التي ينبغي أن تُبدل، وأن يُلقى بها عرض الحائط ينبغي أن يحُلّ محلها هذه المناهج، التي سادت في القرن السادس الهجري، وبذلك استطاع صلاح الدين أن يفتح بيت المقدس، وأن يؤسس لجيل الإصلاح؛ الجيل الذي عُرف بجيل صلاح الدين، رحم الله صلاح الدين الذي كان شجاعاً، خيراً، حسنَ السيرة، كثيرَ الإحسان إلى الفقراءِ، والمجالسةِ لهم.

 صلاته:

كان كثير الصلاة، كان شديد المواظبة عليها، حتى إنه ذُكر يوماً أنه من سنين ما صلّى إلا جماعة، ذُكر في زمانه أنه لم يترك صلاة الجماعة أبداً، وكان يواظب على السنن، والرواتب، وكان له صلوات يصليها إذا استيقظ من الليل، فإن لم يستطع أتى بها قُبيل قيامه للفجر. فصلاة ما قبل الفجر، صلاة السَّحر، والتهجد، وهذا الوقت المبارك في الثلث الأخير من الليل، كان يستثمره صلاح الدين بأن يصلي فيه ما فاته من قيام الليل. رحم الله صلاح الدين، حتى في أيام مرضه – وكان رجلاً كثير المرض – ما ترك الصلاة أبداً، إلا في الأيام الثلاثة الأخيرة من حياته قبل أن يُتَوفى. إذاً.. صلاح الدين كان صاحب أحوال، أحوالٍ صادقة، وكان – رحمه الله تعالى –  صاحب صلة قلب بالله سبحانه وتعالى، كثيرَ التواصل مع ربه ذكراً، وعبادة، واستغفاراً، ودعاءً.

زكاته:

أما الزكاة بالنسبة لصلاح الدين، فإنه مات، ولم يحفظ ما تجب عليه به الزكاة. لاحظوا هذه المسألة أيها الإخوة، صلاح الدين طلب العلم، نشأ في “بعلبك” في لبنان، وطلب العلم على علمائها هناك لما كان صغيراً، وقرأ كتباً في الفقه، وكان شافعيَّ المذهب، ومع ذلك لم يحفظ ما تجب به عليه الزكاة، لماذا؟ لأنه لم يملك نصاب الزكاة طوال حياته، وماله كله استغرقته الصدقة، جميع ما ملكه من الأموال كان ينفقه، ويوزعه في سبيل الله، وتجهيز الجيوش، وتجهيز المقاتلين، ولما مات – رحمه الله تعالى – وُجد في صندوقه سبعة وأربعون درهماً ناصرية، أي من الفضة، وجُرماً واحداً من الذهب (غرام واحد). الجرم في المصطلحات القديمة يعادل وزن نواة التمر ، أي بحدود غرام واحد تقريباً من الذهب فقط. هذا ما تركه صلاح الدين – رحمه الله تعالى – لأولاده. لم يُخلّف أملاكاً، ولا دُوراً، ولا عقارات، ولا بساتين، ولا قرى، ولا مزارع، ولا أي نوع من هذه الأملاك.

 صيامه:

وأما صيام صلاح الدين، فكان صلاح الدين كثير المرض، لذلك كان يُفطر كثيراً في شهر رمضان بأمر الطبيب، وكان إذا رأى أن الطبيب لا يراقبه، يصوم قضاءً، فكان الطبيب يلومه على القضاء، ويقول له:”لمَ لا تسمع قولي، وتترك ما عليك من الصوم، وتقدم له الفدية؟ فأنت مريض، لا تقوى على الصيام”. فكان – رحمه الله تعالى – يرد عليه ويقول:”لا أعلم ما يكون”. وكأنه كان بذلك يتهيأ لأجله، وللقاء الله سبحانه وتعالى.

حجّه:

وأما في الحج، فإنه كان يعزم على الحج إلى بيت الله الحرام في كل عام، لكنه كلما نوى الحج، جاءته غزوة في سبيل الله تعالى، فيغزو بها، ويكون على رأس الجيش، وليس يعطي الأوامر، ويبقى هو في الخيمة، لا.. بل إنما كان يقوم على رأس الجيش مُقاتلاً، ومبارزاً، ومخططاً لتلك الغزوة التي يدافع فيها عن بلاد الإسلام والمسلمين. وهناك سبب ثانٍ منعَه من الحج: وهو خلو يده من المال، ما كان يستطيع أن يجمع مالاً، كان رجلاً منفقاً، ينفق ماله في سبيل الله، كان زاهداً بنفسه، لكنه كان خيّراً على غيره، كان يُكرِم الناس، يعطي الفقراء، يقدّم للقضاة والعلماء الإكرامات الكثيرة؛ لأنهم كانوا دائماً يحثون على الجهاد في سبيل الله تعالى، وهذا ما أسس صلاح الدين منهجه عليه. كل عام كان يؤخر الحج إلى العام المقبل، وقضى الله سبحانه وتعالى له ما قضى، وفارق الحياة، ولم يُيَسَّر له الحج إلى بيت الله الحرام.

تعظيمه لشعائر الله تعالى:

مما يحسُن ذكره عن حياة صلاح الدين – رحمه الله تعالى – أنه كان يحب سماع القرآن الكريم، وكان يستجيد إمامه؛ أي يبحث عن إمام جيد القراءة، حسن الصوت، يُطرِب السامع، فيدعو إلى التفكر في القرآن الكريم، وآياته العظيمة. وكان – رحمه الله تعالى – خاشعَ القلب، غزير الدمعة، لا يلبث إذا سمع القرآن الكريم أن يخشع قلبه، وتدمع عينه في جُلِّ أوقاته، وهذا ما رواه عنه القاضي ابن شدّاد الذي كان يرافقه على الدوام. وكان – رحمه الله تعالى – شديد الرغبة في سماع حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا سمع عن شيخ له سندٌ عالٍ في رواية الحديث إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يذهب إليه، ويبحث عنه، ويطلب منه أن يروي له الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً.. صلاح الدين كان كثير التعظيم لشعائر الله، وشعائر الدين، وكان يحرِص كثيراً على التضرع، والالتجاء إلى الله، والدعاء، لذلك كان عندما يذهب إلى غزوة من الغزوات، كان يحب أن يشرع القتال وقت صلاة الجمعة، ويقول للجيش من حوله:“الآن خطباء المساجد على المنابر، يتوجهون إلى الله بالدعاء”. فهذا الوقت وقت بركة، لذلك.. رحم الله صلاح الدين، أدرك بركة الوقت، فكان يغتنمه، وكان الله – سبحانه وتعالى – دائماً يُكرمه بالانتصارات تلو الانتصارات.

 دعاؤه:

أما دعاؤه – رحمه الله تعالى – فكان عندما يخوض غزوة، يبيت ساهراً، مهتمّاً، مغتمّاً، ساجداً لله سبحانه وتعالى، داعياً في سجوده، وكان له دعاء خاص؛ لمّا يرسل الجيش إلى المعركة، أو يبدأ الجيش المعركة، ليلةَ المعركة، كما فعل النبي – صلى الله عليه وسلم – في غزوة بدر؛ كان يفعل صلاح الدين رحمه الله  تعالى. فله دعاء خاص في السجود، كان يقول فيه:“إلهي! قد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك، ولم يبقَ إلا الإخلاد إليك، والاعتصام بحبلك، والاعتماد على فضلك، أنت حسبي ونعم الوكيل”. لاحظوا أيها الإخوة هذا التضرع، وهذا الدعاء الذي يعكس حالة تصفية النفس لله سبحانه وتعالى، وإخلاص القلب والعمل والعبادة، “إلهي! قد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك…”. يعني أنا جهزت الجيش، وأعطيتهم السلاح، ودربتهم، ووضعت لهم الخطة، هذه هي الأسباب الأرضية اتخذتها، لكن.. الآن أنا لم أعد أملك أي وسيلة أخرى. وهذا نوع من تفويض الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، والاعتماد عليه. يقول القاضي”بهاء الدين بن شداد”:“ورأيت صلاح الدين ساجداً، ودموعه تتقاطر على لحيته، ثم على سجادته، وكان أحياناً يجهر بدعائه، وأحياناً يكون صامتاً. وهو في تلك الحال، لم ينقضِ ذلك اليوم، إلا ويأتيه خبر النصر على الأعداء”. يعني عندما يرسل سرية معينة في غزوة، في لقاء مع العدو، يبيت ساجداً بين يدي الله، لا يرفع رأسه إلا أن يأتيه خبر النصر، وخبر التفوق على أعدائه، وعلى أولئك المغتصبين من الفرنجة الذين كانوا يحرصون على السيطرة على بيت المقدس، وفلسطين، والبلاد العربية والإسلامية.

ب- مَناقِبُه الحسنة:

1- تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وفي الختام نذكر بعض مناقب القائد السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى، والذي كان رجلاً معروفاً بصلاحه، وتقواه، وكان قلبه عامراً بالإيمان، وبذكر الله، وكان مُحباً، معظماً لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بلغ من تعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واهتمامه بمولده الشريف، أنه كان يدفع للكتّاب الذين يؤلفون في قصة المولد النبوي الشريف العطايا الواسعة؛ لأنهم يكتبون قصة المولد النبوي الشريف، ويكتبون القصائد، والمدائح في مدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. المعروف تاريخياً – كما يثبت كثير من الباحثين – أن المدائح النبوية، والقصائد التي مُدِح فيها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتشرت، وازدهرت في فترة الحروب الصليبية، أو حروب الفرنجة. نعم.. السبب أنها كانت تحرك الناس نحو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والدين، والانتماء إليه، فقد مدح الشعراء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوسلوا به إلى الله تعالى؛ لكشف الغمة عن أمته عليه الصلاة والسلام. من ذلك مثلاً: هناك شاعر يُقال له “ابن رواحة الحموي”. زار قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – مُستشفعاً به إلى الله تعالى؛ ليحقق أمنينته بالشهادة في سبيل الله. قال قصيدة، من جملة ما قال في هذه القصيدة:

يا خاتمَ الرسل سلِ الله لي      خاتمةً محـمودة العافـيـة

ولا تردّنَّ يدي بـعدمـا      مددتهُا مسـتشفعاً خائبـة

يُقال في كتب التاريخ والتراجم: إن ابن رواحة هذا، عندما نام، رأى النبي – صلى الله عليه وسلم – في الرؤيا وهو يقول له:قُبِلتَ يا ابن رواحة! قُبِلتَ يا ابن رواحة!. وبعدما عاد ابن رواحة، رافق السلطان صلاح الدين الأيوبي في حصاره لمدينة “عكا”، فكان من جملة الجند الذين قاتلوا معه، واستشهد هناك سنة (585) للهجرة. إذاً.. السلطان صلاح الدين – رحمه الله تعالى – كان يعظّم نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم.

2- أول من اتخذ قيام المؤذنين للتسبيح في أواخر الليل:

ومن مناقبه أنه أول من اتخذ قيام المؤذنين في أواخر الليل، وطلوعهم، وصعودهم إلى المآذن للتسبيح، حتى يطلع الفجر. هذه الخَصلة التي لا تزال إلى يومنا هذا – ما يسمى بالتسابيح قبل صلاة الفجر – أول من حث عليها، وطلب من المؤذنين أن يفعلوها، هو السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى.

3- إكرام الفقراء:

ومن مناقبه أيضاً: ما نقله الإمام”ابن الأثير” في كتابه”الكامل”، أنه كان يحضر عنده الفقراء، والمتصوفة، وكان يقدّم لهم الطعام بيديه، وكان يقدم لهم العطاء، ويكرمهم.

رحم الله صلاح الدين الأيوبي، فقد كان رجلَ صلاح، ورجل تقوى، ورجل إخلاصٍ في العمل، ورجل إخلاص في النيّة أيضاً، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يهيئ أمثال صلاح الدين لهذه الأمة؛ كي يعود لها عزها، ومجدها، وسؤددها. وما ذلك على الله بعزيز، وإن الله سبحانه وتعالى لَيبعث على رأس كل مئة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها، ومن يقوم بخدمتها، ومن يقودها نحو النصر، ونحو الخير، ونحو الفضيلة. اللهم وفّقنا لاتباع سنة نبيك، والعمل بمضمون كتابك. اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول، فيتبعون أحسنه. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

مصدر: http://www.risalaty.com/article1.php?tq=2039&re=679&tn=697&br=2042&tr=2039&rt=2039&try=9&ft=9&rf=689&tt=2037&tm=2039

Advertisements
هذا المنشور نشر في صلاح الدين القائد والمرحلة وكلماته الدلالية , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s