لماذا إحياء علوم الدين ؟ .. وهل ماتت لنحييها ؟

قيل إن الغزالي لم يكتب في “الجهاد” أي لم ينظر فيه في وقت كانت الأمة تحت الغزو، وأجاب أهل الفضل أن الأمة كانت سيوفها مسلولة وتضرب ، ولكنها كانت تضرب رقاب بعضها البعض، فكان تربية الناس الصحيحة هي الأولى

مقدمة كتاب الإحياء

بسم الله الرحمٰن الرحيم

أحمده الله أولاً حمداً كثيراً متوالياً، وإن كان يتضاءل دون حق جلاله حمد الحامدين. وأصلى وأسلم على رسله ثانياً صلاة تسغرق مع سيد البشر سائر المرسلين. واستخيره تعالى ثالثاً فيما انبعث عزمي من تحرير كتاب في إحياء علوم الدين. وانتدب لقط تعجبك رابعاً أيها العاذل المتغالي في العذل من بين زمرة الجاحدين، المسرف في التقريع والإنكار من بين طبقات المنكرين الغافلين فلقد حل عن لساني عقدة الصمت وطوقني عهدة الكلام وقلادة النطق ما أنت مثابر عليه من العمى عن جلية الحق مع اللجاج في نصرة الباطل وتحسين الجهل والتشغيب على من آثر النزوع قليلا عن مراسم الخلق ومال ميلا يسيرا عن ملازمة الرسم إلى العمل بمقتضى العلم طمعا في نيل ما تعبده الله تعالى به من تزكية النفس وإصلاح القلب وتداركا لبعض ما فرط من إضاعة العمر يائسا عن تمام حاجتك في الحيرة وانحيازا عن غمار من قال فيهم صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه: (أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله سبحانه بعلمه)[2] ولعمري إنه لا سبب لإصرارك على التكبر إلا الداء الذي عم الجم الغفير بل شمل الجماهير من القصور عن ملاحظة ذروة هذا الأمر والجهل بأن الأمر إد والخطب جد والآخرة مقبلة والدنيا مدبرة والأجل قريب والسفر بعيد والزاد طفيف والخطر عظيم والطريق سد وما سوى الخالص لوجه الله من العلم والعمل عند الناقد البصير رد وسلوك طريق الآخرة مع كثرة الغوائل من غير دليل ولا رفيق متعب ومكد، فأدلة الطريق هم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء وقد شغر منهم الزمان ولم يبق إلا المترسمون وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان واستغواهم الطغيان، وأصبح كل واحد بعاجل حظه مشغوفا فصار يرى المعروف منكرا والمنكر معروفا ، حتى ظل علم الدين مندرسا ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمسا ، ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا

  • فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام عند تهاوش الطغام
  • أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام
  • أو سجع مزخرف يتوسل به الواعظ إلى استدراج العوام

إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام وشبكة للحطام.

فأما علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله سبحانه في كتابه فقها وحكمة وعلما وضياء ونورا وهداية ورشدا فقد أصبح من بين الخلق مطويا وصار نسيا منسياً.

ولما كان هذا ثلما[3] في الدين ملما وخطبا مدلهما رأيت الاشتغال بتحرير هذا الكتاب مهما إحياء لعلوم الدين وكشفا عن مناهج الأئمة المتقدمين وإيضاحا لمباهي العلوم النافعة عند التبيين والسلف الصالحين.


حاشية الحافظ العراقي الذي خرج أحاديث الأحياء

[1] الحمد لله الذي أحيا علوم الدين فأينعت بعد اضمحلالها وأعيا فهوم الملحدين عن دركها فرجعت بكلالها أحمده وأستكين له من مظالم انقضت الظهور بأثقالها وأعبده وأستعين به لعصام الأمور وعضالها وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة وافية بحصول الدرجات وظلالها واقية من حلول الدركات وأهوالها وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أطلع به فجر الإيمان من ظلمة القلوب وضلالها وأسمع به وقر الآذان وجلا به رين القلوب بصقالها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم صلاة لا قاطع لاتصالها.

 وبعد فلما وفق الله تعالى لإكمال الكلام على أحاديث إحياء علوم الدين في سنة إحدى وخمسين تعذر الوقوف على بعض أحاديثه فأخرت تبييضه إلى سنة ستين فظفرت بكثير مما عزب عني علمه ثم شرعت في تبييضه في مصنف متوسط حجمه وأنا مع ذلك متباطىء في إكماله غير متعرض لتركه وإهماله إلى أن ظفرت بأكثر ما كنت لم أقف عليه وتكرر السؤال من جماعة في إكماله فأجبت وبادرت إليه ولكني اختصرته في غاية الاختصار ليسهل تحصيله وحمله في الأسفار فاقتصرت فيه على ذكر طرف الحديث وصحابيه ومخرجه وبيان صحته أو حسنه أو ضعف مخرجه فإن ذلك هو المقصود الأعظم عند أبناء الآخرة بل وعند كثير من المحدثين عند المذاكرة والمناظرة وأبين ما ليس له أصل في كتب الأصول والله أسأل أن ينفع به إنه خير مسئول فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بعزوه إليه وإلا عزوته إلى من خرجه من بقية الستة وحيث كان في أحد الستة لم أعزه إلى غيرها إلا لغرض صحيح بأن يكون في كتاب التزم مخرجه الصحة أو يكون أقرب إلى لفظه في الإحياء وحيث كرر المصنف ذكر الحديث فإن كان في باب واحد منه اكتفيت بذكره أول مرة وربما ذكرته فيه ثانيا وثالثا لغرض أو لذهول عن كونه تقدم وإن كرره في باب آخر ذكرته ونبهت على أنه قد تقدم وربما لم أنبه على تقدمه لذهول عنه وحيث عزوت الحديث لمن خرجه من الأئمة فلا أريد ذلك اللفظ بعينه بل قد يكون بلفظه وقد يكون بمعناه أو باختلاف على قاعدة المستخرجات وحيث لم أجد ذلك الحديث ذكرت ما يغنى عنه غالبا وربما لم أذكره وسميته: ”المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار“ جعله الله خالصا لوجهه الكريم ووسيلة إلى النعيم المقيم.

[2] حديث (أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه) رواه الطبراني في الصغير والبيهقي في شعب الإيمان من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف.

[3]  ثلما: خللا.

Advertisements
هذا المنشور نشر في مقالات المفاهيم العامة. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s