سقوط الدولة الأيوبية

الدولة بعد صلاح الدين:

ـ مات الناصر صلاح الدين في 27 صفر 589هـ وقد خلف وراءه دولة قوية ثابتة تشمل مصر والشام واليمن والحجاز وكلها على السنة وتتبع الخليفة العباسي وتدعو له على منابرها, وقد تقسمت هذه المملكة القوية بين إخوة صلاح الدين وأبنائه, وكان ذلك بداية الوهن, إذ لابد من قيادة واحدة يعلوها مجلس مشوري وحل وعقد بضمان سلامة القيادة, وإنما الخذلان والفشل قرينان للتفرق, وقد كان.

فقد تولى نور الدين الملقب بالأفضل حكم دمشق فساء التصرف وسبب كثيرًا من المشاكل للدولة الأيوبية, وتولى عثمان الملقب بالعزيز عماد الدين حكم مصر وتولى أخو صلاح الدين أبو بكر الملقب بالعادل حكم باقي الشام, واستقل ابن أخي صلاح الدين بحكم اليمن وأجزاء من الحجاز.

هذا التفرق جعل الباب مفتوحًا للصراعات والخلافات الداخلية على مناطق النفوذ, وانشغل المسلمون بأنفسهم عن العدو الحقيقي وهم الصليبيون, ووقعت عدة حروب بين الأفضل والعزيز انتهت بهزيمة الأفضل وعزله عن ولاية دمشق وأعطاها لعمه أبي بكر, وبعد ذلك بقليل توفي العزيز عماد الدين فتولى مكانه عمه أبو بكر, وهكذا عادت الدولة الأيوبية مرة أخرى للاتحاد تحت قيادة واحدة، وقد حاول الصليبيون أثناء ذلك القتال الداخلي الهجوم على الشام مرة أخرى فتصدى لهم أبو بكر الملقب بالعادل.

كان العادل أبو بكر الأيوبي قرينًا لأخيه صلاح الدين وشريكًا له في جهاده وكفاحه ضد الحملات الصليبية؛ لذلك فقد كان هو الآخر بطلاً شجاعًا قويًا صمد أمام محاولات الحملات الصليبية المتكررة على مصر الشام, حتى أنه مات رحمه الله أثناء حصار الصليبيين لدمياط سنة 615هـ وهو مرابط مجاهد في سبيل الله.

الدولة على طريق التخبط:

بعد وفاة العادل أبي بكر الأيوبي تفرقت المملكة بين أبنائه الثلاثة الكامل محمد على حكم مصر, والمعظم عيسى على دمشق وما هو لها, والأشرف موسى على باقي الشام, وبالتفرق يكون التخبط والاختلاف وتسلط العدو الخارجي, فلم يكد يتوفى العادل أبو بكر حتى انهال الصليبيون على الشام ومصر وخصوصًا مصر في ثلاثة حملات صليبية متتابعة جعلت الكامل محمد رغم بطولاته الكبيرة في حملة دمياط سنة 618هـ يتنازل طواعية عن بيت المقدس لملك ألمانيا فريدريك الثاني سنة 625هـ, فعُد ذلك من أشنع غلطات الأيوبيين على الإطلاق, وعلى الرغم من إنجازات الكامل الحضارية والعمرانية الواسعة إلا أن التاريخ نسي ذلك كله وحفظ له غلطته الشنيعة.

اختلف الأشرف موسى مع المعظم عيسى على حدود النفوذ في الشام والجزيرة ووقعت بينهما الكثير من المشاكل والاضطرابات كرست الفتنة وعمقت أسباب الخلاف ومهدت لمزيد من التخبط وفتحت طريق السقوط.

الوهج الأخير:

ولي بعد وفاة الكامل محمد أخوه الصالح أيوب وذلك سنة 637هـ, وكان من خيرة سلاطين بني أيوب, فدبر المملكة بمصر أحسن التدبير وأخمد الفتنة وبنى قلعة الروضة بجزيرة الروضة واسترد بيت المقدس سنة 642هـ وعسقلان سنة 645هـ ودمشق سنة 643هـ, ولاقى متاعب كثيرة من عمه الصالح إسماعيل الذي كان من أكبر أعدائه وتعاون مع الصليبيين عليه عدة مرات، وقد استعان الصالح أيوب بالقبائل الخوارزمية وانتصر على الصليبيين وعمه المتعاون معهم, وبالجملة أعاد الصالح أيوب للدولة هيبتها ورجعت إلى ما كانت عليه أيام جده العادل أبي بكر, وكان الصالح أيوب بمثابة الوهج الأخير قبل انطفاء السراج.

في آخر حياة الصالح أيوب هجمت الحملة الصليبية السابعة على مدينة دمياط يقودها لويس التاسع ملك فرنسا سنة 647هـ, فرابط الصالح أيوب بالمنصورة, وهناك أصيب بمرض شديد تفاقم عليه حتى مات رحمه الله في 15 شعبان 647هـ, أخفت جاريته أم خليل الملقبة بشجرة الدر خبر موته وأظهرت أنه مريض ومنعت الناس عن زيارته, وظلت توقع على المناشير والمراسيم حتى جمعت قادة الجيش وأمراء الدولة وأطلعتهم على الحقيقة واتفقت معهم على الإرسال لولده الكبير الأمير ‘توران شاه’ وكان بالشام وقتها, وكان جافيًا لأبيه, وأبوه ينقم عليه كثيرًا سوء فعاله, وكان غرضهم من استقدامه ضمان ولاء الجيش للبيت الأيوبي ولعدم اختلاف الأمراء فيما بينهم, وبالفعل جاء ‘توران شاه’ مسرعًا وقاد الجيوش المصرية وحقق انتصارًا هائلاً على الصليبيين, وقتل منهم ثلاثين ألفًا, وأسر ملكهم لويس التاسع وتم فداء الأسرى بمبلغ عشرة ملايين فرنك.

مقتل توران شاه:

لما حقق توران شاه انتصاره الباهر على الصليبيين استدار على زوجة أبيه وباقي قادة الجيش وكانوا جميعًا من المماليك البحرية الذين قد أكثر من شرائهم الصالح أيوب وترقوا في المناصب حتى صاروا من قادة الجيش, وكان ‘توران شاة’ ينقم على أبيه هذه السياسة ولعله هجَّره إلى الشام بسبب ذلك، وكان يكره هؤلاء بشدة وخطط للتخلص منهم وبدأ بإساءة معاملتهم خاصة كبار قادتهم, وشدد في محاسبة شجرة الدر عن أموال أبيه وذخائره، وهذه الأمور جعلت شجرة الدر تتآمر مع قادة المماليك على قتل توران شاه قبل أن يقتلهم هو, وبالفعل هجموا عليه في قصره في ليلة 28 محرم سنة 648هـ, واعتوروه بسيوفهم وتفرق دمه بينهم, ثم تنادوا فيما بينهم وملكوا عليهم الأمير عز الدين أيبك التركماني, وتلقب بالملك المعز وكان ذلك بداية دولة المماليك ونهاية دولة الأيوبيين.

القدس:

استطاع صلاح الدين الأيوبي استرداد القدس من الصليبيين عام 1187 بعد معركة حطين، وعامل أهلها معاملة طيبة، وأزال الصليب عن قبة الصخرة، ودعا اليهود والمسلمين ليعودوا إلى المدينة، واهتم بعمارتها وتحصينها. ولكن الصليبيين نجحوا في السيطرة على المدينة بعد وفاة صلاح الدين في عهد الإمبراطور فريدريش الأول بربروسا إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وكانت القدس في هذه الفترة قد ضعف شأنها وأفل نجمها وأصبحت مجرّد قرية عاديّة نظرًا لتراجع أهميتها الاستراتيجية، خصوصًا بسبب انهماك أولاد صلاح الدين بالنزاع فيما بينهم، وعدم تركيزهم على محاربة الصليبيين. ظلت القدس بأيدي الصليبيين 11 عامًا إلى أن استردها نهائياً الملك الصالح نجم الدين أيوب عام 1244.

تعرضت المدينة لغزو التتار الخوارزميين عام 1244، الذين قضوا على القسم الأعظم من سكانها المسيحيين وطردوا اليهود منهم. هُزم التتار على يد المماليك بقيادة سيف الدين قطز والظاهر بيبرس في معركة عين جالوت عام 1259، وضمت فلسطين بما فيها القدس إلى السلطنة المملوكية التي حكمت مصر والشام بعد الدولة الأيوبية حتى عام 1517. وخلال هذه الفترة تعرّضت المدينة والمنطقة ككل لسلسلة من الزلازل وتفشّى فيها وباء الطاعون الأسود. دخلت جيوش العثمانيين فلسطين بقيادة السلطان سليم الأول بعد معركة مرج دابق في سنة 1517، وأصبحت القدس مدينة تابعة للدولة العثمانية طيلة 400 سنة حتى سقوطها بيد قوّات الحلفاء في الحرب العالمية الأولى سنة 1917.دخلت جيوش العثمانيين فلسطين بقيادة السلطان سليم الأول بعد معركة مرج دابق في سنة 1517، وأصبحت القدس مدينة تابعة للدولة العثمانية طيلة 400 سنة حتى سقوطها بيد قوّات الحلفاء في الحرب العالمية الأولى سنة 1917.

يقول المؤرخون:

وكانت الدولة الأيوبية دولة فتح وجهاد من مبدئها إلى منتهاها, فمؤسسها صلاح الدين, وآخرهم توران شاه كللت حياتهم بالانتصار الباهر على الصليبيين, فكان الله عز وجل قد أوجد هذه الدولة لتكون عقبة في سبيل تغلُّب أوروبا الصليبية المتعصبة على الشرق المسلم, ولولا فضل الله بهذه الدولة لانقرض الإسلام من جميع بقاع الشام والجزيرة ومصر وشمالي أفريقيا كما انقرض من الأندلس’.

المصدر : موقع مفكرة الاسلام http://www.islammemo.cc/2004/03/20/1419.html وويكيبيديا العربية

Advertisements
هذا المنشور نشر في صلاح الدين القائد والمرحلة وكلماته الدلالية , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s