الحكم الاسلامي والديمقراطية والاجتهاد

السؤال المطروح منذ مدة طويلة حتى قبل قيام ما بات يعرف بالربيع العربي حول مشكلة الديمقراطية في بلادنا هو هل مشكلة بلادنا في الديمقراطية التي ترادف في مفهومنا نظام الحكم الجمهوري أو البرلماني وهل العيب في الديكتاتورية فحسب؟ مثلاً نظام الخلافة يمكن اعتباره نظام ديكتاتوري إلى حد ما أو في مقاربة اخرى ما يعرف اليوم بالنظام الملكي الدستوري الذي يعطي للحاكم سلطات مطلقة من تولية كل من في الدولة من وز راء ومحافظين “ولاة” وحتى قضاة ومحتسبين لكن كل هؤلاء محكومون بقوانين الشريعة الاسلامية “دستور الأمة”. والفرق بين الخلافة الراشدة والملك العضود هو فقط في طريقة التولية، فالخلفاء الراشدون اختيروا من خلال مشاورات أهل الحل والربط المتوجة ببيعة عامة أما الملك العضود فكان يتم بالتوريث المتوج ببيعة عامة جبرية غالباً تحوطها المخاوف من الفتنة التي شدد رسول الله بمنع الخروج على الحاكم حذراً منها.

بالعودة للفظ الدستور، لم يدخل هذا اللفظ بلادنا إلا في نهاية حكم العثمانيين مع ازدياد نفوذ الحركات التغريبية المتأثرة بالثورات الأوربية وأنظمة الحكم الجديدة. وكلمة الدستور ليست عربية الأصل ولم تذكر القواميس العربية القديمة هذه الكلمة ولهذا فإن البعض يرجح أنها كلمة فارسية الأصل دخلت اللغة العربية عن طريق اللغة التركية، ويقصد بها التأسيس أو التكوين أو النظام.

مشكلتنا الأساسية ربما ليست في الديمقراطية أو الديكتاتورية أو الملكية أو الجمهورية أو أي نظام حكم. مشكلتنا الأساسية هي الوعي والفهم ووجود نظام حقيقي فكري يعالج قضايانا بأفكار محلية. إنني أكاد أجزم أن الغالبية العظمى ممن يسمون الشعب والذين يتكلم الجميع باسمهم لا يعرفون ماهية المصطلحات المستعملة اليوم مثل مدنية دستورية ليبرالية علمانية جمهورية إلخ. لا يعرفون معناها الحقيقي والمتثاقفون أمثالي ربما يتذاكون بالبحث عن النت ويتشدقون بتكرار تعريف عبر وسيط وأفهام قد لا تكون دقيقة.

الديمقراطية هي حل ربما للتخلص من المتسلطين المستبدين الذين دأبوا على محاربة الإسلاميين. و أي انتخابات نزيهة ستجلب الاسلاميين ولا شك. لكن حتى الإسلاميون قد يتحولون لديكتاتوريين. هنا سيقول قائل أنهم حتى وإن تحولوا لديكتاتوريين مع الزمن وحتى لو لم يملكوا فكراً واضحاً، يبقون أفضل من ديكتاتوريين لا يخافون الله فينا.

المشكلة الأساسية أنهم سيفوزون لأنهم إسلاميون فقط وقدلا يأمنون على أنفسهم من تغلغل من لا يخافون الله فينا بين صفوفهم، لكن مع ذلك سيفوزون بسبب الاسم. والمشكلة الأساسية في بلادنا هي نقص الوعي ونقص الفكر الواضح. وبما أن الإسلاميين جزء من الشعب وأغلبية الشعب لا يملك الوعي والفهم ولا يوجد عندنا فكر أو تصور حقيقي لنظام حكم إسلامي أو غير إسلامي منبثق من بيئتنا واحتياجاتنا سوى بعض الأفكار الهلامية حول قوانين الشريعة الإسلامية. ولا ينكر أحد منا أن الكثير من المسائل الفقهية الحديثة لا تجد مفهوماً واضحاً لحلها أو إجماعاً عليها بسبب نقص التصور الحقيقي لها. كما لا ينكر ندرة العلماء الأفحال القادرين على التصدي لمثل هذه المسائل. هذه المشكلة يشار إليها أحيانا بتوقف الاجتهاد وهي وإن كانت عامة إلا أن أثرها يبرز في القضايا السياسية بشكل جلي.

على فكرة هذا ليس تقليلاً من الإسلاميين فحسب فحتى الغير إسلاميون لا يملكون رؤى واضحة، بل مجرد ترجمات وأفهام لما يطبق في الغرب والذي اساسه تحييد المؤسسات الدينية التي تحتاج تحييداً لانها بشرية تفرض نفسها كمقدسة هناك. لكن في بلادنا لا يمكن ذلك لأن نصوص الاسلام مقدسة فعلاً وتبقى المشكلة في وجود عزلة حقيقية بين العلماء والمجتمع.

أعتقد أن كثيرين يخلطون الأمور بين تجميد الاجتهاد وضبطه. الاجتهاد لم يغلق في يوم من الأيام لكن تقصير المسلمين في طلب العلم أغلقه أو كاد لقد وضع العلماء شروطاً للاجتهاد من حصلها صار مجتهداً مطلقاً وهناك الأقل منه رتبة وهو مجتهد المذهب وحتى الإجماع مراتب فهناك إجماع ظاهري وإجماع حقيقي
وما تزال ولله الحمد هيئات تمارس الاجتهاد كهيئة كبار العلماء أو هيئة علماء الأزهر لكن هذه الهيئات مقصرة في مواكبة تغيرات العصر قليلاً ويفسح هذا المجال لمن باتوا يعرفون بالمفكرين الاسلاميين وفيهم كثيرون مدّعون جاهلون للأسف.

اليوم من يدعون الفكر والعلم والثقافة جاهلون بالدين بل يحارب بعضهم العلماء لما يراه فتاو غريبة وفهماً بشرياً يجب تحييده، وعلماء الدين فرضت عليهم العزلة عن الواقع عبر العصور السابقة وهم أنفسهم يتجنبون التلفاز لما فيه من فواحش ويبقون اسرى لما ينقله لهم تلاميذهم وغالبيتهم من غير ذوي القدرات العالية. فالمتفوقون في المجتمع مشغولون بالمدراس والجامعات والوظائف بينما المساجد خالية إلا من البسطاء. وبسبب انعزالهم وعزلهم تظهر منهم تلك الفتاو الغريبة بسبب عدم التصور الحقيقي للواقع وكما هو معلوم فالحكم على الشيء جزء من تصوره.

برأيي لن تنهض هذه الأمة حتى يعود للمساجد دورها كجوامع لا مجرد مساجد جوامع لكل شيء.

ولا بد من أن تحل المشكلة الأساسية اليوم والتي هي أن أهل العلم الديني بعيدون عن أهل العلوم الأخرى والواقع وكذلك أهل كل العلوم الأخرى بعيدون عن العلم الشرعي إلا الأساسيات التعبدية وهذا ما دأبت الأنظمة على ترسيخه حتى صار واقعاً.

ومن آثار ذلك ظهور طبقة وسط تسمى المفكرين الإسلاميين لا يملكون نصيباً كافياً من العلم الشرعي لكنهم أكثر اطلاعاً على الواقع كثقافة عامة غير تخصصية أيضاً. والمشكلة أن بعضاً منهم يرون النهضة والتطور بالتحرر من سيطرة رجال الدين الغير موجودة أصلاً تأثراً بالفكر العلماني حتى وإن ادعوا محاربته. فللأسف هذا الفكر متغلغل في لا وعينا لدرجة كبيرة.

وبالمقابل يرى أهل الدين أن التقوى والصلاح لا تستقيم مع الانخراط في المجتمع ومتابعة وسائل الاتصلات بدءأ بالتلفاز والمحطات الفضائية وصولاً للأنترنت المليء بالمحتوى المنحل الفاسق برأيهم. وهذا امتداد لمن عادوا المدارس أول ما نشأت زمن الاستعمار – وهم محقون إذ رفضوا تجريد المساجد من دورها – لكنهم اكتشفوا خطأهم بعد أن سيطر عليها حواريوا الاستعمار المؤمنون بالعلمانية التي تعني عندهم فصل الدين عن المجتمع. وهكذا صارت إدارات التعليم كلها علمانية متعصبة ولم يستطيع أهل العلم إلا انتزاع مادة التربية الإسلامية التي لم تنجوا من مراقبة.

وهكذا صار الالتزام مرادفاً للانعزال عن المفاسد الذي هو حقيقة انعزال عن الواقع وصار التنوير ابتعاداً عن أهل العلم ومفاهيمهم الخاطئة. وما يزال هؤلاء وهؤلاء يبتعدون عن بعض منذ تحولت المساجد إلى دور عبادة فحسب وأسست الجامعات كدور علم لا ديني فحسب.

الحل أن يبدأ أهل العلوم الأخرى ومدعوا الفكر الإسلامي بدراسة العلوم الشرعية وان يبدأ أهل العلم الشرعي بالانفتاح على وسائل الاتصالات للاطلاع على الواقع بطرقة تفاعلية لا كما نرى اليوم حيث توجد مواقع وصفحات فيس وقنوات يديرها مسؤول تقني ينقل المحاضرات والآراء الفقهية دون أن يطلع الفقيه أو العالم على تعليقات الناس وانتقاداتهم.

لا بد من الانتقال إلى المعرفة التبادلية بأن يصحح المتنورون آراء المتدينين ويصحح المتدينون شطحات المتنورين بالتقارب والنصح لا بالتباعد والنقد الهدام ولا بد ان تعود المساجد لتجمع هذه التقاربات والحوارات فلذلك فرضت الجمعة والجماعة.

محاولة بقلم صلاح الدين الحسني

20 مايو 2013

Advertisements
هذا المنشور نشر في فقه الحاكم والمحكوم, دَور دُور العلم والمساجد. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s